يمضي الإطار التنسيقي في إعادة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، في خطوة لا تمثل مجرد خيار سياسي، بل استدعاءً متعمداً لأسوأ مرحلة مرّ بها العراق بين عامي 2006 و2014، وهي المرحلة التي ارتبط اسمه فيها بالاقتتال الطائفي، وانهيار مؤسسات الدولة، وفتح الأبواب أمام الخراب الشامل.
ويرى معارضون أن المالكي كان المسؤول الأول عن تفكيك الجيش العراقي وتسييس المؤسسة الأمنية، وهي السياسات التي انتهت بانهيار الموصل في حزيران 2014، وسقوط ثلث مساحة العراق بيد تنظيم داعش، في واحدة من أكبر الكوارث الأمنية في تاريخ البلاد الحديث، دون أن يُحاسب حتى اليوم.
كما يُحمّل المالكي مسؤولية إشعال الفتنة الطائفية الممنهجة خلال سنوات حكمه، عبر الإقصاء السياسي، واستخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم، وتهميش مكونات كاملة، ما أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتهيئة البيئة المثالية لتمدّد الإرهاب.
وخلال تلك الفترة، تفجّرت ملفات فساد بمليارات الدولارات في التسليح والطاقة والإعمار، من صفقات السلاح الوهمية إلى المشاريع المتلكئة، فيما تحوّلت الدولة إلى شبكة مغلقة تحكمها المحسوبية والحزب والولاء الشخصي، لا القانون ولا الكفاءة.
ويربط مراقبون بين عودة المالكي اليوم ومحاولات إغلاق ملفات تلك المرحلة السوداء، وحماية شبكة سياسية وأمنية تخشى المحاسبة، في وقت لم يحصل فيه الضحايا، ولا أهالي الجنود الذين سقطوا في 2014، على أي عدالة أو اعتراف بالمسؤولية.
ويؤكد معارضون أن الإطار التنسيقي، بإصراره على هذا الترشيح، لا يعيد المالكي كشخص، بل يعيد مشروعاً كاملاً قام على القمع، وتكميم الأفواه، وكسر التوازن الوطني، وربط القرار العراقي بإرادات خارجية، وهو المشروع ذاته الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار.
إن فرض المالكي مجدداً يعني، بنظر الشارع، إعلاناً صريحاً بأن دماء السنوات الماضية بلا قيمة، وأن الكارثة التي وقعت بين 2006 و2014 لم تكن درساً، بل تجربة يراد تكرارها، مهما كان الثمن.
ما يحدث اليوم ليس نسياناً للتاريخ، بل إصراراً على تكرار الجريمة السياسية نفسها، في بلد لم يشفَ بعد من جراح تلك المرحلة، ولا يحتمل العودة إلى مربع الفشل والدمار.
![]()
