
د. أيهم السامرائي
تُقاس هيبة الدول بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. وعندما تنجح الأجهزة الأمنية في اعتقال مسؤول أو متهم لا يحظى بحماية من المليشيات، في حين تعجز عن تنفيذ أمر قبض بحق شخص يتمتع بغطاء من الفصائل المسلحة أو بشبكات نفوذ مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية بشأن استقلالية مؤسسات الدولة ومدى قدرتها على فرض سيادة القانون على مختلف الأطراف. وتزداد هذه التساؤلات عندما تكون الأجهزة الأمنية على علم مسبق بأن الشخص المطلوب لن يُعثر عليه في منزله، أو أن هناك من يسبقه بإبلاغه بالإجراءات المتخذة بحقه. ففي مثل هذه الحالات، لا تبدو المشكلة مرتبطة بالقدرة التنفيذية فحسب، بل تشير أيضًا إلى وجود اختراقات داخل مؤسسات الدولة، بما يقوض ثقة المواطنين بأجهزة إنفاذ القانون ويضعف الإيمان بقدرتها على أداء دورها باستقلالية وكفاءة. في هذا السياق، يجد رئيس الوزراء، علي الزيدي، نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن ناحية، تواجه حكومته ضغوطًا داخلية من قوى سياسية وفصائل مسلحة تمتلك نفوذًا واسعًا داخل المشهد العراقي، ومن ناحية أخرى، تتعرض بغداد لضغوط أمريكية متزايدة تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، والحد من نفوذ الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الحكومة. ويرى أصحاب هذا الطرح أن معالجة هذه التحديات لا يمكن أن تتحقق عبر البيانات الرسمية أو العمليات الأمنية المحدودة، بل تتطلب مشروعًا متكاملًا للإصلاح المؤسسي يبدأ بإعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس المهنية والكفاءة والولاء للدولة، بعيدًا عن الانتماءات الحزبية أو الفصائلية أو الطائفية. كما يشمل تطوير المنظومة الاستخبارية للحد من تسريب المعلومات التي تؤدي إلى إفشال عمليات إنفاذ القانون قبل تنفيذها.
ولا يقتصر الإصلاح، وفق هذا التصور، على المؤسسة الأمنية وحدها، بل يمتد إلى السلطة القضائية، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي حملة جادة لمكافحة الفساد وترسيخ سيادة القانون. فاستقلال القضاء، وسرعة الفصل في القضايا، وحماية القضاة من الضغوط السياسية، تُعد جميعها متطلبات أساسية لاستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. ويستند هذا الرأي إلى تجارب دولية يرى أنها أثبتت أن مكافحة الفساد والجريمة المنظمة لا تتحقق من خلال إجراءات أمنية متفرقة، وإنما عبر إصلاحات مؤسسية متكاملة تعزز استقلال المؤسسات وتطور آليات الرقابة والمساءلة. ويُستشهد في هذا السياق بتجارب مدن مثل نيويورك وشيكاغو، التي واجهت خلال القرن الماضي تحديات كبيرة مرتبطة بالجريمة المنظمة، قبل أن تسهم إصلاحات مؤسسية طويلة الأمد، إلى جانب التنسيق بين أجهزة إنفاذ القانون والسلطة القضائية، في الحد من نفوذ تلك الشبكات. وفي ضوء ذلك، يقف العراق، بحسب هذا الطرح، أمام مفترق طرق. فإما أن تمضي الدولة نحو ترسيخ سيادة القانون وبناء مؤسسات تعمل باستقلالية وفاعلية، وإما أن يستمر الصراع بين مؤسسات الدولة ومراكز القوى غير الرسمية، بما ينعكس على الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل تمتلك الحكومة الإرادة والقدرة على تنفيذ إصلاحات مؤسسية عميقة، أم أن توازنات المشهد السياسي والأمني ستحد من إمكانية تحقيق تغيير جوهري؟ فالنجاح في بناء دولة قوية لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرة مؤسساتها على تطبيق القانون على الجميع دون تمييز، وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق سلطة الدولة. وترى هذه الرؤية أن إدارة الرئيس ترامب عازمة على دعم مسار يهدف إلى إنهاء ما تصفه بهيمنة الإسلام السياسي الموالي لإيران على العراق، والعمل على استعادة استقلال القرار العراقي، سواء بدعم الزيدي أو أي شخصية أخرى، من خلال إعادة هيكلة المؤسسات المشار إليها. كما ترى أن الزيدي ليس وحده في مواجهة إيران والمليشيات والقوى الموالية لها، إلا أن الطريق يبقى صعبًا ويتطلب إجراءات حاسمة، تبدأ بإعادة هيكلة السلطة القضائية وإخراج ضباط الدمج من المؤسسات الأمنية والعسكرية خلال المرحلة الأولى من عودته. وبحسب هذا الطرح، فإن أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات لن يرضي الولايات المتحدة ولا إيران، وأنه إذا اختار الزيدي الشراكة مع الولايات المتحدة، فعليه المضي في مسار التغيير بسرعة، مع الإشارة إلى استعداد أمريكي لتقديم الدعم. أن زيارة الزيدي إلى واشنطن كانت ناجحة من حيث الاستقبال الذي حظي به من الرئيس ترامب، إلا أن وجود شكوك لدى بعض الحاضرين بعد اللقاء بين الرئيسين بشأن قدرته على تنفيذ ما يطرحه، ولا سيما في ما يتعلق بإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت والمليشيات المرتبطة بإيران دون تدخل أمريكي واسع. كما أن الزيدي يدرك حدود إمكاناته وما يستطيع تحقيقه في ظل الظروف الحالية.
أما المؤتمر المزمع عقده في أواخر أكتوبر أو أوائل نوفمبر، بحضور أطراف من المعارضة العراقية، بما فيها حزب البعث والحركات القومية والوطنية، فما يزال، بحسب النص، في مرحلة الإعداد الأولية. وتقترح بعض المؤسسات المهمة الأمريكية، AAدعوة مختلف القوى الوطنية والقومية العراقية للمشاركة، بهدف فتح صفحة جديدة، على أن يُعقد المؤتمر في أربيل أو عمّان، بما يوفر بيئة مناسبة للحوار وحرية التعبير والمشاركة.كما يقترحون أن يكون تمثيل القوى المشاركة متوازنًا، وأن يجري تحديده بالاستعانة بشركات أوروبية محايدة لإجراء استطلاعات رأي، مع أن يكون الجانب الأمريكي ضامنًا لتنفيذ مخرجات المؤتمر. ويعلن المجلس الوطني العراقي للتغيير، استعداده للمشاركة في هذا المؤتمر، وفق الشروط والمعطيات المشار إليها. أن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في المنطقة، مع توقعات بشأن مستقبل النظام الإيراني والقوى المرتبطة به وتوكلوا على الله وتذكروا انه دائماّ معنا.
د.أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير/ الحراك العراقي
![]()
