بغداد –
في العراق، يطفو فوق المشهد ملف يوصف بأنه أخطر من سرقة المال العام: ملف التجاوز على الأملاك العامة، الذي تحوّل خلال العقدين الماضيين إلى منظومة فساد متكاملة تغيّر ملكية الأرض من بغداد حتى أوروبا، وسط صمت حكومي مطبق.
مصادر رقابية وبرلمانية تؤكد أن القضية لم تعد عشوائيات متناثرة، بل شبكة نفوذ تستحوذ على المتنزهات والمساحات الخضراء والأراضي الزراعية والعقارات الحكومية، وتدمج أجزاء منها في مشاريع استثمارية مغلقة، فيما تستخدم أجزاء أخرى كورقة سياسية ومالية تمتد إلى أملاك العراق في الخارج.
النائب مضر الكروي وصف هذا الملف بأنه “صندوق أسود” مليء بالقرارات والصفقات التي غيّرت ملكية أراضي الدولة بلا رقابة، مؤكداً أن التجاوزات تشمل جميع المحافظات، وتصل إلى عقارات عراقية في أوروبا بمئات ملايين الدولارات، دون وجود كشف واضح للرأي العام.
التحقيقات التي طالت متنزه الزوراء في بغداد كشفت نمطاً خطيراً: فرص استثمارية تُفصّل لمستثمر واحد بواجهات متعددة، إعلان شكلي، ومنافسة مغلقة، تماماً كما حدث سابقاً في موقع مطار المثنى الذي تحوّل إلى مجمعات إسمنتية بدلاً من أن يكون متنفساً لبغداد الأكثر تلوثاً.
وفي منطقة الدورة، تحوّل النزاع على الأراضي الزراعية إلى اشتباكات داخل مؤسسات الدولة نفسها، واعتقالات واقتحامات مسلحة، ما يعكس حجم النفوذ الذي يمتلكه المتورطون في هذا الملف.
أما في حزام بغداد، فالتجاوزات اتخذت بُعداً أخطر وصل إلى حد اغتيال عضو مجلس المحافظة صفاء الحجازي بعد يوم واحد من تمرير قرار يوقف عمليات التجريف والاستيلاء في الطارمية وخان ضاري وأبو غريب والدورة، وسط ترجيحات بأن القرار اصطدم بمصالح جهات نافذة.
ويتحدث سكان المناطق المتضررة عن تغيير ديموغرافي متدرج، تُسلب فيه الأراضي من أصحابها تحت ضغط السلاح والتهديدات، فيما تُفتح أبواب الاستثمار أمام واجهات مرتبطة بقوى مؤثرة.
ورغم محاولة ربط بعض التجاوزات بأزمة السكن والعشوائيات، إلا أن الواقع يكشف منظومة استحواذ منظمة تحوّل أراضي الدولة إلى مجمعات تُفرض كأمر واقع ثم تُشرعن بقوانين التسوية.
وفي الخارج، تمتد فصول الصندوق الأسود إلى عقارات العراق في أوروبا ودول أخرى، حيث أبرمت عقود وتأجيرات غامضة لا يعرف أحد تفاصيلها أو وجهة عوائدها.
ورغم المطالبات بتشكيل لجنة تقصي حقائق بصلاحيات كاملة، يبقى السؤال قائماً: هل تمتلك الحكومة الجرأة لفتح الصندوق الأسود؟ أم سيبقى الملف يتضخم من متنزهات بغداد إلى عقارات الخارج، بينما تُدار الأملاك العامة كأنها ملك خاص لشبكات النفوذ
![]()
