متابعات – منذ اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الضربات التي نفذتها قاذفات B-2 ضد المواقع النووية الإيرانية “أنهت تماماً” قدرة طهران على التخصيب، بدأ البيت الأبيض يروّج لرواية جديدة تقول إن العراق بات “مختلفاً” و”أكثر قرباً” من واشنطن. غير أن هذا الخطاب الاحتفالي يتصادم بقوة مع واقع سياسي مضطرب في بغداد، حيث تُطرح أسئلة ثقيلة عن حقيقة ما تغيّر، وعن حجم التلاعب الإعلامي الذي يحاول ربط الداخل العراقي بقرار عسكري وقع بعيداً عن حدوده.
فبينما يتحدث ترامب عن عراق “ودّي” ورئيس وزراء “رشحه لجائزة نوبل”، تواجه البلاد انهياراً مستمراً في منظومتها الأمنية والسياسية، وتكشف تصريحات المسؤولين الأمريكيين تناقضاً فاضحاً بين رواية الإنجازات وبين تفاقم الفساد داخلياً. عضو مركز التنمية عدنان التميمي وصف خطاب ترامب بأنه “غامض” و”خارج سياق الواقع العراقي”، مشيراً إلى أن الربط بين مستقبل العراق وضربة جوية في إيران “لا يعدو كونه دعاية سياسية”.
منذ سنوات، تعتمد الولايات المتحدة مقاربة تقوم على إدارة الأزمة من بعيد: انسحابات، اتفاقات شكلية، ومفاوضات لا تغير شيئاً من اختلال التوازن داخل العراق. أما على الأرض، فتغرق الدولة في فوضى النفوذ، وتغيب قدرتها على ضبط السلاح، بينما تتحول مؤسساتها إلى ساحة صراع بين قوى متنافسة، كلها تستفيد من فساد الدولة وتستنزف مواردها بحماية رسمية.
ورغم محاولات ترامب الظهور بصفته “صانع السلام” الذي أوقف برنامج إيران النووي وأعاد توجيه بغداد نحو واشنطن، تكشف الوقائع أن الضربات العسكرية لم تمس جذور الأزمة داخل العراق، وأن النفوذ الإيراني ما زال مترسخاً في مفاصل السلطة، بسبب سنوات من التحالفات السياسية والمصالح الاقتصادية التي لم تستطع أي قوة خارجية تفكيكها.
المفارقة الأكثر وضوحاً هي أن الحكومة العراقية نفسها سارعت لإدانة الضربات على إيران والتحذير من مخاطر إشعال المنطقة، ما يعكس هشاشة موقفها وتناقض سياساتها، بين خطاب يساير واشنطن وصمت يراعي طهران، وبين دولة لا تملك القدرة على اتخاذ موقف مستقل يحمي مصالحها.
في المقابل، تتحرك إدارة ترامب على خط آخر: مبعوث خاص، ضغوط لعرقلة قانون جديد لهيئة الحشد الشعبي، تدخلات في ملفات النفط والغاز، وتسويق لخطط سلام في المنطقة، بينما يبقى العراق عاجزاً عن فرض سيادة مؤسساته، ومشلولاً أمام الفساد الذي ينخرها، وغارقاً في تناقضات مسؤوليها الذين يدينون الخارج ويستسلمون له في الوقت نفسه.
وهكذا يقف العراق في قلب المشهد؛ دولة تبيعها السلطة روايات مطمئنة، بينما تغرق يومياً في واقع من الفساد السياسي والمالي، وساحة نفوذ تتنافس عليها العواصم، من دون أن تنجح أي ضربة أو خطاب أو اتفاق في إنقاذها من دوامة الانهيار المتسارع.
بين الرواية الأميركية والواقع العراقي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تغيّر شيء فعلاً، أم أن البلاد تُدار اليوم بنفس الأساليب التي أوصلتها إلى هذا الانحدار، فيما تتسابق السلطات إلى تبرير الفشل تحت غطاء “تغيّرات إقليمية” لا وجود لها إلا في الخطابات؟
![]()
