بغداد – في الوقت الذي أعلنت فيه دول الخليج تسريع العمل على مشروع “القبة الصاروخية المشتركة”، كان واضحاً أن المنطقة تدخل مرحلة أمنية جديدة تُعاد فيها هندسة ميزان القوى واصطفافاته، فيما يقف العراق خارج هذا الإطار تماماً، نتيجة سياسات سلطات غارقة في الفساد والعجز وضعف القرار السيادي.
فالدولة التي كانت ذات يوم لاعباً مركزياً في أمن الخليج أصبحت اليوم غائبة عن أي منظومة دفاعية، رغم أن سماء العراق كانت أول مجال جوي يتعرض لضربات واختراقات متقدمة، بعضها نُسب إلى إسرائيل واستهدف مواقع حساسة في عمق البلاد بينما وقفت السلطات مكتوفة الأيدي، منشغلة بصراعاتها الداخلية، تاركة أمن البلاد مكشوفاً.
المفارقة أن القبة الخليجية صُممت لردع التهديدات ذاتها التي واجهها العراق فعلياً، لكن غياب الإرادة السياسية واحتكار القرار من قبل قوى متنفذة مرتبطة بمحاور إقليمية جعل البلاد عاجزة عن تبني تعريف واضح للتهديد، وعاجزة قبل ذلك عن بناء جيش موحد العقيدة أو قرار مركزي قادر على حماية السيادة.
وعلى مدى أربعة عقود طوّرت دول الخليج منظومة دفاعية متماسكة من “درع الجزيرة” إلى دمج الرادارات وإدارة القيادة والسيطرة، بينما كان العراق يغرق في حروب عبثية، فساد مستشري، حصار اقتصادي، وانقسامات سياسية عطّلت بناء أي مؤسسة دفاعية محترفة، وتركت القرار الأمني موزعاً بين أطراف لا تتفق حتى على العدو المشترك.
الخبير الاستراتيجي علي ناصر يؤكد أن محدودية قدرة العراق على الحصول على منظومات دفاع متقدمة ليست المشكلة الأساسية، بل أن “السياسة الإقليمية للعراق ووضعه الجيوسياسي المربك يجعلان من المستحيل تقريباً الانضمام إلى أي اتفاقات دفاعية تتطلب التزامات مالية وسياسية لا تستطيع بغداد تحملها في ظل اقتصاد متخبط ورؤية حكومية غائبة”.
فالبلد الذي تتعرض أجواؤه لضربات متكررة، يُترك اليوم خارج أي مظلة دفاعية، ليس لأنه مرفوض إقليمياً، بل لأنه بلا رؤية، وبلا مؤسسات مستقرة، وبلا قرار موحد قادر على تحديد مصدر التهديد. فبنية الدفاع الجوي مفككة، والرادارات غير موحدة، والقرار الأمني مجزأ بين مؤسسات تتصارع أكثر مما تتعاون.
ويضيف ناصر أن العراق “يحتاج إلى ترتيب وضعه الداخلي قبل الحديث عن أي شراكات دفاعية”، مؤكداً أن الانقسامات الحادة وغياب المؤسسات الفاعلة يجعلان اتخاذ قرار مصيري مثل الاندماج بمنظومة صاروخية مشتركة خطوة شبه مستحيلة.
وفيما تتقدم القبة الخليجية بسرعة نحو بناء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، يبقى العراق عالقاً في منطقة رمادية، يحتاج لحماية سمائه لكنه غير قادر على اتخاذ القرار السياسي، نتيجة نفوذ قوى الفساد والمحاور الخارجية التي جعلت البلد خارج كل المشاريع الأمنية، رغم أنه الأكثر تعرضاً للتهديدات الجوية في المنطقة.
الحقيقة التي تكشفها التطورات الأخيرة هي أن المشكلة ليست في “عدم دعوة العراق”، بل في أن الدولة التي فُككت مؤسساتها بفعل الفساد وسوء الإدارة لم تعد تمتلك الأدوات ولا الرؤية ولا السيادة التي تسمح لها بأن تكون جزءاً من أي معمار أمني.
وهكذا، يبقى العراق خارج القبة الخليجية، وخارج أي مظلة دفاعية، ما دام القرار الأمني مخطوفاً، والمصالح الوطنية غائبة، والسلطات منشغلة بصراعاتها ومكاسبها، تاركة البلاد مكشوفة أمام كل تهديد يأتي من السماء.
![]()
