بغداد – لم يعد الخراب الذي يضرب القطاع الزراعي في العراق خطأً موسمياً أو نتيجة ظرف طارئ، بل أصبح شاهداً يومياً على سلطات عاجزة تترك حدود البلاد مفتوحة لـ”الدولة الموازية” كي تتحكم برغيف الفلاح ومصير الريف. فالمزارع العراقي اليوم لا يخسر محصوله فقط، بل يخسر مهنته وجذوره وبيئته، بينما تتحول الأسواق إلى مسارح لبضائع مستوردة تغرق البلاد حتى باتت تشكل ما يقارب 70% من المنتجات المتداولة، مع انهيار للأسعار يصل إلى 30% خلال يوم واحد بفعل الإغراق المتعمد، ومعابر غير قانونية تعمل خارج إرادة الدولة وتحت حماية النافذين.
فرات التميمي، رئيس لجنة الزراعة والمياه النيابية الأسبق، وصف لـ”بغداد اليوم” تلك المنافذ بأنها “معابر سوداء” تُشكل نصف أسباب انهيار الزراعة، قائلاً إنها تسمح بدخول محاصيل بلا فحص ولا تعريفات جمركية، وتُغرق السوق بكميات لا يمكن استيعابها، ما يسبب خسائر للمزارعين قد تصل إلى 70%، ويترك آلاف الدونمات بلا حصاد.
انهيار استراتيجية الاكتفاء الذاتي
على الحدود الشرقية والشمالية تنتشر معابر غير رسمية تحكمها جهات نافذة، تُفشل كل محاولات بناء إنتاج محلي:
- بضائع دون فحص ودون جمارك
- كميات مضاعفة تكسر السوق
- أسعار تهبط إلى ما دون كلفة المياه والبذور
- محاصيل تُترك في الحقول بلا حصاد
الفارق بين كلفة المنتج المحلي والمستورد وصل إلى ثلاثة أضعاف، ما يعني فعلياً تدمير أي فرصة للمنافسة وتحويل العراق إلى مستورد دائم.
حرب أسعار تضرب المزارع في مقتل
مصادر زراعية أكدت لـ”بغداد اليوم” أن ما يجري ليس صدفة، بل “لعبة مدروسة” تُدار خارج مؤسسات الدولة، عبر:
- ضخ بضائع رخيصة لكسر السوق
- تعطيل دعم الأسمدة والمبيدات
- شراء المحصول بأسعار لا تغطي نصف كلفته
- إجبار الفلاح على ترك أرضه أو بيعها
هذه الحرب تخدم “كبار المستوردين” الذين يسيطرون على السوق ويحتاجون بقاء الإنتاج المحلي ضعيفاً كي تستمر أرباحهم.
هجرة الزراعة… وانهيار مناطق كاملة
في الجنوب تحديداً، تراجعت المساحات المزروعة بالحنطة والبصل والخضروات بنحو 40% خلال ثلاث سنوات، وبدأ آلاف المزارعين يتركون أراضيهم اتجاهاً نحو المدن بحثاً عن عمل يومي، بينما يُقدّر مراقبون أن 250 ألف مزارع مهددون بالبطالة إذا استمرت الفوضى.
كيف تعمل الدولة الموازية؟
الخبراء يحددون ثلاث أدوات أساسية:
- السيطرة على المعابر غير الرسمية التي تدخل منها البضائع بلا رقابة ولا جمارك
- التحكم بالأسعار لإفشال الإنتاج المحلي
- حملات إلكترونية لتهشيم ثقة المواطن بالمنتج الوطني عبر شائعات ممنهجة
تهديد مباشر للأمن الغذائي
التميمي حذّر من “انتكاسة خطيرة” تهدد الأمن الغذائي واستقرار الريف، مؤكداً أن حماية المنتج المحلي تعني حماية ربع مليون عائلة من الفقر.
ورغم محاولات الاكتفاء الذاتي بين 2019 و2023، فإن موجات الاستيراد غير المنضبط منذ 2024 أطاحت بكل الإنجازات، فيما تراجع عدد المزارعين الفاعلين وتحولت أراضٍ شاسعة إلى مشاريع سكنية وتجارية.
أزمة الزراعة في العراق ليست أزمة مياه أو مناخ فقط، بل أزمة سلطة تركت حدودها بيد جهات فوق القانون، وسوقها بيد تجار أقوى من الدولة. فالمعابر السوداء، وتلاعب الأسعار، والتدخلات الخفية في الاستيراد تعيد رسم مستقبل الريف بطريقة لا تمنح المزارع أي فرصة عادلة.
وما لم تُضبط الحدود، ويُوحّد السوق، وتُحمَ حماية المنتج المحلي، سيظل الفلاح العراقي الحلقة الأضعف في دولة تسمح للفساد بأن يلتهم أرضها قبل محاصيلها.
![]()
