بغداد – في أقل من شهرين فقط، تحوّلت وزارة الاتصالات من حظر منصّة Roblox إلى حجب لعبة اللودو، بذريعة واحدة جاهزة: حماية الأسرة وصون الأخلاق. غير أن هذا التسارع في قرارات “المنع” يكشف، وفق مراقبين، محاولة لإظهار إنجازات شكلية في وقت تتراكم فيه ملفات الفساد والانفلات الأمني من دون أي معالجة حقيقية.
ففي 20 تشرين الأول 2025، أعلنت الحكومة حظر منصة Roblox بدعوى أنها تشكّل بيئة للتواصل قد تستغل الأطفال والمراهقين، وأن بعض محتواها يتعارض مع “القيم الأخلاقية”. وأكدت الوزارة حينها أنها اتخذت القرار بعد “مراقبة ميدانية” خلصت إلى وجود مخاطر أمنية وسلوكية.
وبعد أسابيع، أعادت الوزارة المشهد ذاته مع لعبة اللودو. ففي 9 كانون الأول 2025، قررت الوزيرة هيام الياسري حجب اللعبة نهائياً، ربطاً بينها وبين “الابتزاز الإلكتروني” و”الخلافات الزوجية” و”المحتوى المنحرف” كما ورد في بيانها، مع الإشارة إلى امتلاكها صلاحيات تخوّلها اتخاذ القرار.
لكن وسط هذه الإجراءات الصارمة ضد لعبة إلكترونية، ترتفع الأسئلة حول أولويات الدولة: لماذا تتحرك السلطات بسرعة لفرض حجب على لعبة هاتف، بينما تبقى ملفات السلاح المنفلت، وشبكات الفساد، وتوسع تجارة المخدرات بلا حلول أو قرارات مماثلة في الحزم أو السرعة؟ وهل أصبح “منع الألعاب” بديلاً عن مواجهة التحديات الحقيقية التي تمس حياة العراقيين يومياً؟
الناشط الحقوقي علي الحبيب استغرب هذا النهج، مؤكداً لـ”بغداد اليوم” أن المعالجة لا تكون عبر الحجب بل عبر بناء ثقافة رقمية وتشريعات واضحة، وأن حظر التطبيقات لن يحمي الأطفال بقدر ما سيزيد اعتمادهم على تطبيقات الالتفاف مثل VPN، ما يضاعف المخاطر.
ويرى الحبيب أن التهديد الحقيقي لا يرتبط بلعبة بعينها، بل بغياب سياسة وطنية لحماية الأطفال رقمياً، وضعف التربية الرقمية في المدارس، وغياب برامج التوعية للأهالي، إضافة إلى ضعف التشريعات الخاصة بالجرائم الإلكترونية مقارنة بالدول المتقدمة. كما يضيف أن حظر Roblox أو اللودو لن يمنع الأطفال من الانتقال إلى منصّات أخرى، وربما أشد خطراً.
وتكشف هذه القرارات، بحسب مختصين، فجوة واضحة في الإدارة الرقمية للدولة؛ إذ يجري التركيز على “إغلاق لعبة” بدل معالجة الثغرات البنيوية في بيئة الإنترنت، بدءاً من ضعف الرقابة الأسرية وصولاً إلى غياب التنسيق المؤسسي بين الوزارات المعنية.
وبينما تطرح الوزارة نفسها كحارس أخلاقي للفضاء الرقمي، يبقى السؤال الجوهري:
هل المشكلة فعلاً في Roblox واللودو… أم في دولة تهرب من مواجهة الفساد والانفلات الأمني، لتعلّق فشلها على لعبة هاتف؟
![]()
