صعّد الخبير الاقتصادي منار العبيدي لهجته محذّرًا من تصاعد ما وصفه بـخطاب التضليل المالي الذي يروّج له سياسيون ومنابر إعلامية متماهية مع السلطة، بالتزامن مع أولى مؤشرات الانهيار المالي في العراق، مؤكدًا أن هذا الخطاب لا يستند إلى أرقام أو وقائع، بل يهدف إلى تخدير الشارع وكسب الوقت على حساب مستقبل البلاد.
وقال العبيدي إن الحديث المتكرر عن وفرة الأموال أو قدرة الإيرادات على تغطية رواتب جميع الموظفين، وكذلك الادعاء بأن تخفيض رواتب الدرجات الخاصة كفيل بحل الأزمة، ليس سوى شعارات شعبوية فارغة تهدف إلى تضليل الرأي العام، مؤكدًا أن من يطرح الحقائق يُتهم فورًا بالتشاؤم أو التخويف في محاولة لإسكاته.
وأوضح أن الدولة، بتركيبتها المالية الحالية، عاجزة عمليًا عن الاستمرار دون معالجة جذرية وقاسية لملف الرواتب، محذرًا من أن الإصرار على الحلول الترقيعية لن يؤدي إلا إلى تعميق الانفجار القادم، لافتًا إلى أن الإيرادات غير النفطية، مهما جرى الترويج لها، لن تغطي أكثر من 10 إلى 15 بالمئة من النفقات التشغيلية، ولا يمكن أن تشكّل بديلًا حقيقيًا عن النفط.
وأكد العبيدي أن العراق لا يمتلك أي مورد فعلي يمكنه تعويض النفط في الوقت الراهن، معتبرًا أن ما يُروَّج بشأن الكبريت أو الفوسفات أو السليكا يدخل ضمن خطاب الوهم الاقتصادي، إذ إن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الموارد، حتى لو جرى تصديرها كمواد خام، لا يتجاوز 300 إلى 500 مليون دولار سنويًا، وهو رقم لا يغيّر شيئًا في ميزانية دولة مثقلة بالرواتب.
وفي ما يخص الحديث عن الصناعات الاستراتيجية والمصافي والصناعات التحويلية، شدد على أن السلطة تستخدم هذه العناوين كشماعة إعلامية، رغم علمها المسبق بأن هذه المشاريع تحتاج إلى خمس سنوات على الأقل لتصبح منتجة، فضلًا عن حاجتها إلى تمويل وسيولة غير متوفرة أصلًا، ما يجعل طرحها اليوم مجرد هروب من مواجهة الأزمة الحقيقية.
وبشأن الدعوات لإنشاء صندوق استثماري على غرار صناديق الخليج أو النرويج، وصف العبيدي هذه الطروحات بأنها استهلاك إعلامي ما لم تُترجم بقرار نيابي واضح، واستقطاع إلزامي من إيرادات النفط، وإدارة مستقلة بالكامل عن الحكومة، محذرًا من أن أي صندوق يُدار بعقلية المحاصصة سيُنهب ويُفرَّغ كما حصل مع صندوق التنمية الخارجية وصندوق تنمية العراق.
وأشار إلى أن جوهر الكارثة الاقتصادية لا يكمن فقط في العجز المالي، بل في غياب اقتصاد حقيقي خارج النفط، موضحًا أن الناتج المحلي غير النفطي لا يتجاوز 88 تريليون دينار (نحو 66 مليار دولار)، فيما لا يشكّل القطاع الخاص أكثر من 30 مليار دولار منها، وهو ما يكشف حجم الفشل البنيوي الذي أوصل البلاد إلى هذا المأزق.
وختم العبيدي بالتأكيد على أن الحلول معروفة، لكن السلطة تتهرب منها لأنها سياسيًا مكلفة، وتتمثل في تقليص النفقات، ومعالجة ملف الرواتب بلا مجاملة، ودعم القطاع الخاص فعليًا لا خطابيًا، وإعادة التوازن التجاري بعيدًا عن الريع النفطي، محذرًا من أن الاستمرار في بيع الأوهام لن يؤجل الانهيار، بل سيجعله أكثر قسوة على المواطن.
![]()
