بغداد – تتجه الأنظار نحو الانتخابات البرلمانية المقبلة وسط تحذيرات من متابعين للشأن السياسي بأن نسبة المشاركة قد تكون الأضعف منذ أول انتخابات جرت في العراق عام 2006 وحتى انتخابات 2021، نتيجة الإحباط الشعبي المتزايد، وفشل مجلس النواب في أداء دوره التشريعي والرقابي، وعدم تقديم حلول ملموسة للأزمات الخدمية والسياسية التي يعاني منها العراقيون.
وحذر الباحث في الشأن السياسي، ميثم الخلخالي ، من “تراجع كبير في نسبة المشاركة بالانتخابات المقبلة، قد تكون الأضعف منذ 2006 وحتى 2021″، مشيراً إلى أن السبب يعود إلى “الإحباط العميق الذي أصاب المجتمع العراقي نتيجة فشل مجلس النواب في تلبية الطموحات الشعبية”.
ويشير المراقبون إلى أن هذا الإحباط ليس ظرفاً عابراً، بل نتيجة تراكمية لدورات برلمانية متعاقبة لم تتمكن من إرساء دور رقابي وتشريعي فعّال، بينما تحذر خبراء دوليون من أن عزوف الناخبين قد يتحول إلى أزمة شرعية سياسية، إذ لا قيمة للمؤسسات المنتخبة إذا فقدت ثقة الشعب.
وأوضح الخلخالي أن “البرلمان خلال دوراته السابقة لم ينجز الدور التشريعي والرقابي المطلوب منه، رغم وجود مئات القوانين المطروحة بانتظار القراءة والتشريع والتعديل”، مبيناً أن المجلس “لم يقدم حلولاً فعلية للأزمات السيادية والخدمية التي يعاني منها العراقيون”.
وتكشف هذه المعضلة عن فجوة خطيرة بين الحاجة المجتمعية والأداء النيابي؛ فالبرلمان، الذي يُفترض أن يكون أداة لحلحلة الأزمات، أصبح في نظر كثيرين “ساحة لتعطيل مصالح الشعب بفعل الانقسامات السياسية”، وهو ما يعكس عجزاً تشريعياً متأصلاً وبنية سياسية متصدعة جعلت المجلس مرآة للصراع لا أداة للحل.
وأضاف الخلخالي أن “هناك اعتقاداً سائداً بين المواطنين بأن الانتخابات باتت مسرحية متكررة تفرز الوجوه ذاتها، دون ظهور شخصيات نيابية بارزة قادرة على ممارسة الدور الرقابي والتشريعي”، لافتاً إلى أن ما يقدمه بعض النواب لا يتعدى الوساطات أو استغلال صلاحيات لا يمتلكونها أصلاً.
ويبرز هذا الوصف أزمة عميقة: انعدام التجديد النيابي. حين تتحول العملية الانتخابية إلى إعادة تدوير للوجوه ذاتها، يفقد الناخب شعوره بأن صوته قادر على التغيير، وتتولد دائرة مغلقة: عزوف جماهيري يصاحبه صعود نخب متكررة، ما يعزز صورة البرلمان كمؤسسة منفصلة عن المجتمع. ويرى المحللون أن كسر هذه الدائرة يتطلب إصلاحاً انتخابياً عميقاً، لكن غياب الإرادة السياسية يجعل من هذا التغيير مطلباً بعيد المنال.
وأشار الخلخالي إلى أن “المشاركة المتوقعة ستكون محدودة وزبائنية، قد تُشترى عبر الوعود والرواتب والرعاية”، مؤكداً في الوقت ذاته حاجة العراق إلى “وجوه جديدة تمتلك الوعي والخبرة القانونية والقدرة على ممارسة العمل البرلماني بجدية، لاستعادة ثقة المجتمع وتحقيق طموحاته”.
ويسلط هذا التصريح الضوء على أخطر ما يهدد الديمقراطية العراقية: تحوّل المشاركة الانتخابية من فعل مواطنة إلى سوق للمصالح والزبائنية. وإذا استمر هذا المسار، فإن العملية الانتخابية ستفقد معناها السياسي، وتتحول إلى مجرد طقس شكلي يرسخ البنية القائمة، ويستمر استنزاف شرعية الدولة، مع ابتعاد المجتمع عن مؤسساته. العراق يقف أمام لحظة مفصلية: إما أن تنبثق وجوه جديدة قادرة على إعادة الثقة بالبرلمان، أو تستمر الحلقة المفرغة التي أضرت بالديمقراطية على مدى خمسة عشر عاماً .
![]()
