في وقت يُحرم فيه عشرات الآلاف من موظفي إقليم كردستان من رواتبهم، ويحاصر فيه العراقيون عموماً بالأزمات الاقتصادية والخدمية، لا تزال الحكومتان في بغداد وأربيل تتبادلان الاتهامات وتُغلفان خلافاتهما بعبارات الدبلوماسية، بينما يترنح المواطن تحت وطأة الإهمال وانعدام اليقين.
زيارة رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني إلى بغداد اليوم، على رأس وفد حكومي رفيع، تأتي في سياق سلسلة طويلة من الاجتماعات التي لم تُثمر سوى المزيد من التوتر والانقسام. ورغم ما قيل عن “مباحثات لحل الملفات العالقة”، خصوصاً قضية النفط والرواتب، إلا أن الواقع يُثبت أن الطرفين يتعاملان مع هذه الملفات الحساسة بمنطق المصالح لا المصير.
صحيفة “إندبندنت” بنسختها التركية نقلت في تقريرها أن العلاقة بين أربيل وبغداد أصبحت “على حافة الانهيار”، وهو وصف لم يعد مبالغاً فيه، فـما يحدث اليوم من خلافات سياسية ومالية هو نتيجة تراكمات سنوات من الفشل الحكومي المتبادل، حيث تغيب الشفافية، وتُدار الملفات المصيرية بروح الصفقات لا السياسات الرشيدة.
الأزمة تفجرت مجدداً عقب قرار وزارة المالية العراقية وقف صرف رواتب موظفي الإقليم، بذريعة عدم التزام أربيل بتسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية. ومع أن بغداد تكرر رفضها لأي اتفاقات تُبرم خارج سلطتها، فإنها تفشل باستمرار في تقديم بدائل عملية تحفظ وحدة الدولة وحقوق المواطنين.
وفي المقابل، أقدم مسرور بارزاني خلال زيارته إلى واشنطن منتصف الشهر الماضي على توقيع اتفاقيات ضخمة في مجال الطاقة مع شركتين أميركيتين بقيمة تفوق 100 مليار دولار، من دون الرجوع للحكومة الاتحادية، في خطوة وصفتها بغداد بأنها “تجاوز للدستور”، واعتبرتها طهران استفزازاً مباشراً وسط توترات إقليمية متزايدة.
ويحسب مراقبون، هذه الوقائع تكشف أن الطرفين يُوظفان الملفات الخلافية كورقة ضغط سياسي واقتصادي، بينما لا مكان يُذكر للمواطن في أولوياتهما. فلا الحكومة الاتحادية قادرة على ضمان الرواتب، ولا حكومة الإقليم تملك حلاً سوى اللجوء إلى صفقات خارجية تُهدد وحدة القرار السيادي.
ةأشاروا الى أن غياب إرادة الحل، وهيمنة منطق الصراع والمكاسب الخاصة، يُعيدان إنتاج الأزمة بشكل متكرر، ويدفعان بالمشهد العراقي نحو مزيد من الانقسام والعجز. ومع تصاعد الضغوط الأميركية لإنهاء الاعتماد على الغاز الإيراني، واستخدام الغاز الكردي كبديل، تتحول الملفات السيادية إلى أدوات تفاوض بين الحكومات بدلاً من أن تكون بوابة لتوحيد الجهود وبناء الدولة.
![]()
