بغداد – رغم تأكيدات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن العملية الانتخابية “محمية بالكامل”، تكشف الوقائع الميدانية عن مشهد آخر مغاير، تتصدره عمليات شراء بطاقات الناخبين وابتزاز المواطنين، في واحدة من أخطر صور الفساد السياسي الذي يهدد الانتخابات المقبلة، المقررة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
شراء وابتزاز تحت غطاء الأحزاب
في محافظة الأنبار، يروي أحد عناصر الأجهزة الأمنية – متكتماً على اسمه – أنه تعرض لضغوط مباشرة من جهات حزبية نافذة تطالبه بجمع بطاقات انتخابية تعود لأقاربه مقابل “تسهيلات وظيفية”، وحين رفض، لوّحوا له بعقوبات إدارية تصل إلى نقله من وحدته أو تجميد صلاحياته. هذه الشهادة تكشف أن الفساد لم يعد محصوراً في الدعاية أو المال السياسي، بل امتد إلى ابتزاز موظفي الدولة، وحتى الفئات التي يفترض أن تكون محايدة.
نص القانون ومخالفة الواقع
المفوضية تذكّر بأن المادة 37 من قانون الانتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل تعاقب كل من يمنح أو يعِد أو يعرض منفعة على ناخب، أو يستخدم القوة والتهديد لمنعه من ممارسة حقه الانتخابي. لكن ضعف الرقابة وغياب الردع الفوري جعلا هذه النصوص مجرد حبر على ورق.
ملفات قضائية تدين مرشحين
محكمة تحقيق الكرخ الثانية سبق أن أعلنت في آب الماضي اعتقال مرشح للانتخابات بعد أن استغل الناخبين بوعدهم بتعيينات حكومية وقروض ورواتب من الرعاية الاجتماعية مقابل انتخابه، وهو نموذج صارخ يبين كيف تحول الصوت الانتخابي إلى عملة مزيفة لتسويق النفوذ.
قراءة ناشطين: الديمقراطية تباع وتشترى
الناشط المدني يوسف الندا وصف هذه الظاهرة بأنها “أخطر تهديد مباشر لنزاهة الانتخابات”، موضحاً أن الصوت الانتخابي تحول إلى سلعة تباع وتشترى، ما يضرب جوهر الديمقراطية ويهدم الثقة بالمؤسسات السياسية. وأضاف أن هذا السلوك يرسّخ ثقافة “بيع الحقوق”، ويفتح الباب واسعاً أمام تعميم الفساد في مفاصل الدولة.
فساد يتكرر من دورة لأخرى
التجارب السابقة في العراق لم تخلُ من اتهامات بشراء أصوات، خاصة في المناطق المحررة بعد 2017، حيث استغلت بعض القوى حاجة المواطنين الاقتصادية. واليوم، ورغم كل الوعود الحكومية، يتكرر السيناريو ذاته بأدوات أكثر تنظيماً، ما يعكس تواطؤ السلطات وضعف الإرادة السياسية في مواجهة المال السياسي الأسود.
ضغط دولي متواصل
منظمات محلية ودولية، بينها بعثة الأمم المتحدة (يونامي)، طالبت مراراً بضرورة تشديد العقوبات ومراقبة العملية الانتخابية، إلا أن غياب الردع العملي سمح بتمدد هذه الممارسات، وهو ما يهدد بتحويل الانتخابات المقبلة إلى صفقة مالية كبرى بدلاً من أن تكون استحقاقاً ديمقراطياً .
![]()
