بغداد – العراق يغرق اليوم في أخطر أزماته الوجودية، ليس فقط بسبب قطع المياه من دول الجوار أو تقلبات المناخ، بل نتيجة مباشرة لفساد الحكومات المتعاقبة وسوء إدارتها لملف الحياة الأول: الماء. فالمخزون المائي الاستراتيجي وصل إلى مستويات كارثية لم يشهدها البلد منذ عقود، فيما تتقاذف السلطات المسؤولية وتكتفي بخطابات باردة ووعود جوفاء.
الأهوار تجف، الجواميس تنفق، والآلاف من العوائل تُجبر على النزوح من قراها. وفي كردستان، السدود عاجزة عن توفير أبسط الاحتياجات الزراعية، بينما في الجنوب تحوّلت الكارثة إلى نزيف إنساني واقتصادي. ورغم كل هذه الشواهد الصارخة، ما زالت الحكومة تدار بعقلية اللجان والتطمينات، تاركة المواطن يواجه مصيره وحيداً.
الأرقام صادمة: أكثر من مليون شجرة ضاعت بفعل الجفاف والإهمال، ومعدل إطلاقات المياه من دجلة والفرات لا يتجاوز 150 متراً مكعباً في الثانية، بينما حاجة العراق الفعلية لا تقل عن 800 متر. ومع ذلك، تمنح بغداد لتركيا مئات الامتيازات الاستثمارية دون أن تجرؤ على استخدام ورقة الضغط المائي لحماية شعبها.
البرلمان، كعادته، لم يتحرك إلا بعد فوات الأوان، وجمع التواقيع صار إنجازاً يُسوّق إعلامياً، بينما حياة الملايين على المحك. أما السلطات التنفيذية، فتواصل سياسة الترقيع وتجاهل الحقيقة المرة: أن العراق يتجه بسرعة نحو العطش والانهيار البيئي والاجتماعي.
الأزمة لم تعد طبيعية ولا عابرة، بل جريمة دولة مكتملة الأركان، حيث ينهار الأمن الغذائي وتتفكك المجتمعات المحلية تحت سطوة الفساد والمحاصصة. المواطن خسر الماء والزرع والماشية، ولم يبق له سوى الدعاء، بعدما تخلت عنه سلطة غارقة في الصفقات، عاجزة عن حماية أبسط مقومات البقاء .
![]()
