فيما ترتفع أصوات الساسة هذه الأيام بالوعود الكاذبة والشعارات الانتخابية الجاهزة، يغيب تماماً عن المشهد واحد من أخطر الملفات السيادية: خور عبد الله، الممر البحري الاستراتيجي الذي أصبح ضحية جديدة للإهمال السياسي والتواطؤ المتعمد.
القضية التي هزّت الشارع العراقي قبل أشهر، والتي تعلقت بتفريط واضح بجزء من المياه الإقليمية العراقية عبر اتفاقيات مشبوهة وتفسيرات ملتبسة لقرارات دولية، لم تعد تُذكر حتى في البيانات الرسمية، وكأن شيئاً لم يكن. اختفى الحديث عن خور عبد الله من جلسات البرلمان، وتوارت المطالبات بمراجعة الاتفاقات، وابتلع صمت الأحزاب كل الأسئلة الوطنية، في مشهد يؤكد أن السيادة لا مكان لها في أجندة انتخابات تُدار بعقلية الغنيمة.
ورغم الإدانات الشعبية والسياسية الواسعة لقرار المحكمة الاتحادية الذي أضفى الشرعية على اتفاقية 2013 مع الكويت، التي اعتُبرت تنازلاً عن حقوق العراق البحرية، فإن الساسة لم يذهبوا أبعد من التصريحات العاطفية، دون اتخاذ أي خطوات فعلية لمراجعة أو إلغاء الاتفاق، أو حتى تشكيل لجان تحقيق حقيقية مستقلة.
يرى مراقبون أن ملف خور عبد الله طُوي بشكل متعمد، لأن فتحه سيحرج جهات حزبية وسياسية نافذة، بعضها مرتبط بتحالفات خارجية ومصالح اقتصادية لا تريد إزعاج “الشركاء الإقليميين”. فكان الحل الأبسط: دفنه بصمت، ريثما تمر الانتخابات دون ضجة.
اليوم، في ظل هذا الصمت المخزي، والانهماك بالتحالفات الانتخابية، وتوزيع المناصب قبل صدور النتائج، تُفرّط سيادة العراق جهاراً، بينما لا أحد يتحدث. لم تعد القضايا الوطنية تُشكل أولوية لمن يلهثون خلف الكراسي، فالكرسي عندهم أغلى من الخور، وأغلى من الوطن نفسه.
خور عبد الله يُنسى، كما نُسي العراق من قبل… ويبقى السؤال معلقاً: من يدافع عن الوطن حين يصمت الجميع؟
![]()
