بغداد – تكشف التطورات الأخيرة أنّ العراق يقف أمام اختبار أمريكي غير مسبوق، بعدما تحوّل الخطاب من رسائل مبطّنة إلى تهديدات سياسية واقتصادية مباشرة، تربط استمرار الدعم الأميركي بشكل إدارة السلطة داخل بغداد، وبحجم نفوذ الفصائل المسلحة التي تغلغلت داخل مؤسسات الدولة.
آخر هذه الرسائل جاء عبر تغريدة لعضو الكونغرس الأميركي الجمهوري جو ويلسون، الذي صعق الأوساط السياسية بتصريح علني دعا فيه إلى “تحرير العراق من قبضة إيران”، وربط المساعدات العسكرية الأميركية بشروط تمسّ صميم الفساد السياسي وتغلغل الفصائل داخل أجهزة الدولة.
في موازاة ذلك، يتحرّك مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مارك سافايا، بوصفه واجهة هذا الضغط، حاملًا رؤية واضحة: لا سلاح خارج الدولة، لا تمويل للفصائل، ولا دولار واحد بلا التزام سياسي وأمني.
ضغط أمريكي يعرّي بنية الفساد
تتعامل واشنطن مع الفصائل بوصفها جزءًا من منظومة فساد تُهدر المال العام وتستخدم مؤسسات الدولة كغطاء سياسي واقتصادي، ولذلك يتجه الكونغرس – بحسب ويلسون – لإدخال شروط صارمة في قانون الدفاع الوطني، أبرزها:
تقييد المساعدات العسكرية بسلوك الحكومة تجاه الفصائل.
فرض عقوبات مباشرة على قيادات وكيانات مرتبطة بالسلاح المنفلت.
إخضاع عوائد النفط والتحويلات المالية لتدقيق دولي بعد اتهامات باستخدامها في تمويل الفصائل.
بهذه الخطوات، لا يبدو الأمر مجرّد موقف سياسي، بل إعلان مواجهة مفتوحة مع منظومة فساد ترعاها شخصيات نافذة داخل الدولة.
بين خطاب واشنطن وتواطؤ بغداد
يؤكد الخبير السياسي جاسم الغرابي أنّ التصريحات الأميركية ليست خطة لغزو جديد، بل أداة ضغط على سلطة عراقية سمحت للفصائل بالتمدد داخل مؤسساتها.
ويحذر الغرابي من أن استمرار الحكومة في منح المناصب لشخصيات مرتبطة بالفصائل يضع بغداد أمام عقوبات وقيود مالية خطيرة، خصوصًا في ملفات الدولار والتعاون الأمني والاستخباري.
الحكومة المقبلة في عين العاصفة
يرى الخبير الاستراتيجي حسين الأسعد أنّ الأزمة بلغت مستوى غير مسبوق؛ فالعالم – وعلى رأسه واشنطن – يراقب كل اسم يُطرح لمنصب سيادي أو أمني، محذّرًا من أنّ منح غطاء رسمي للفصائل داخل الوزارات يعني عمليًا نسف الثقة الدولية بالعراق.
ويشير الأسعد إلى أنّ أي تجاهل لهذه التحذيرات سيُقرأ كرسالة تحدٍّ، ما قد يؤدي إلى:
خنق اقتصادي بدفع العراق إلى أزمة دولار جديدة.
تعليق أو تجميد العقود النفطية الحساسة.
تقليص التعاون الأمني والاستخباري بشكل يضرّ بالأمن الداخلي.
بين فساد الداخل وضغط الخارج.. من يدفع الثمن؟
تزايد النفوذ غير المنضبط للفصائل، والصمت الحكومي الطويل، أعطى واشنطن ذريعة للتدخل عبر أدوات ضغط اقتصادية وسياسية أكثر صراحة، ما يضع العراق أمام معادلة شديدة الحساسية:
الخضوع للشروط الأميركية يعني مواجهة داخلية مع الفصائل.
تجاهلها يعني دفع البلاد نحو أزمة مالية خانقة وعقوبات قد تطال مؤسسات الدولة نفسها.
ختامًا: العقد الأميركي الجديد
مؤكدٌ اليوم أنّ مرحلة الغموض انتهت. خطاب واشنطن بات أوضح من أي وقت مضى:
دعمٌ مشروط، فصائل تحت المجهر، وحكومة ستُحاسَب منذ يومها الأول.
وبين فساد السلطة وتمدد السلاح، يبقى المواطن العراقي هو الخاسر الأكبر في معادلة لا تزال تُكتب تحت ضغط الخارج وتواطؤ الداخل.
![]()
