بغداد – الهجوم الأخير على حقل كورمور الغازي قرب السليمانية لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل صفعة جديدة تكشف عجز السلطات عن حماية أهم البنى التحتية للطاقة في البلاد، وتعيد إلى الواجهة ملفاً ثقيلاً تراكم فوقه الفساد وسوء الإدارة والتدخلات السياسية. الحقل الذي تديره “دانة غاز” الإماراتية ويغذي كهرباء السليمانية وأربيل وكركوك ونينوى وصلاح الدين، تحوّل خلال ساعات إلى منطقة مشتعلة بعد استهدافه بمسيّرات أو صواريخ دقيقة أصابت خزانات ومعدات حساسة، ما أدى إلى توقف الضخ وانقطاع الكهرباء على نطاق واسع.
ورغم خطورة الحادث، لم تتجاوز ردود فعل الحكومة حدود “لجان التحقيق” التقليدية، التي لم تُنتج في الحالات السابقة إلا بيانات غامضة، بينما تستمر الاستهدافات دون مساءلة حقيقية. وزراء ومسؤولون توافدوا على موقع الحقل لالتقاط الصور، في مشهد يتكرر كل مرة دون أن يغيّر شيئاً من الواقع الأمني الهش. حتى الموقف الأمريكي الذي وصف الهجوم بأنه اعتداء على منشأة حيوية، بدا أكثر حدة من مواقف السلطات العراقية التي تكتفي بالتصريحات وتتهرب من مواجهة الجهات التي تعبث بأمن الطاقة.
و قال النائب عارف الحمامي إن الهجوم نُفّذ عبر مسيّرات ذات قدرات متطورة لا تملكها جماعات محلية، منتقداً الاتهامات الكردية المبكرة التي وُجهت للفصائل المسلحة. وأشار إلى أن توقيت العملية يتزامن مع مفاوضات تشكيل الحكومة، ما يجعل “خلط الأوراق” هدفاً محتملاً لجهات خارجية. ورغم خطورة المعطيات التي تحدث عنها الحمامي، فإن الحكومة لم تقدّم حتى الآن تفسيراً واضحاً للمواطن الذي بات يشاهد مؤسسات الدولة تُستهدف فيما السلطات تتبادل الاتهامات دون نتائج.
في المقابل، تتبنى أطراف كردية وإعلام دولي رواية تربط الهجوم بجماعات مسلحة سبق أن استهدفت الحقل خلال سنوات التوتر بين واشنطن وطهران. وتستند هذه الجهات إلى سلسلة هجمات مماثلة منذ 2022، في كل مرة تتعطل التحقيقات وينتهي الأمر إلى بيانات مطاطة تتحدث عن “جهات مجهولة”. هذا الغموض المستمر يكشف خللاً بنيوياً في الدولة التي لا تعرف — أو لا تريد أن تعرف — من يستهدف أحد أهم مشاريع الطاقة في العراق.
وتطرح بعض التحليلات داخل الإقليم احتمال وجود صراع داخلي بين الحزبين الرئيسيين حول ملف الغاز وتقاسم العائدات، لكن غياب الشفافية في إدارة ملف الطاقة يعزز الشكوك بأن الخلافات السياسية باتت تتداخل مع أمن المنشآت الحيوية. وإذا أضيفت إلى ذلك قدرة أطراف إقليمية على توظيف ضربات كهذه ضمن صراعات أكبر، يصبح الحقل ساحة مفتوحة لتصفية الرسائل السياسية على حساب أمن البلاد.
التاريخ يؤكد أن كورمور تعرض لأكثر من تسع هجمات خلال ثلاث سنوات، دون أن تُعلن أي نتائج تحقيق تُذكر، ما يرسخ قناعة بأن الدولة عاجزة — أو متواطئة بالصمت — تجاه عمليات تخريب تضرب قلب اقتصاد العراق. وكلما اهتزت موازين القوى السياسية، تتكرر الضربات نفسها، فيما يبقى المواطن بلا كهرباء، والمستثمر بلا ضمانات، والدولة بلا قرار.
أما على مستوى رد الفعل الخارجي، فقد جاء الموقف الأمريكي الأكثر حدة، إذ وصف الهجوم بأنه “عمل إرهابي” وطالب الحكومة باتخاذ خطوات واضحة، بينما أكد المبعوث الأمريكي مارك سافايا أن “مجاميع تعمل خارج إطار الدولة” هي جزء من المشكلة. وفي الوقت الذي تضغط فيه واشنطن، تتخبط بغداد بين تصريحات شكلية ومحاولات لطمأنة المستثمرين، بينما حكومة الإقليم تحاول حماية صورتها كبيئة استثمارية رغم أنها تعاني بدورها من صراعات داخلية وتضارب في الصلاحيات الأمنية.
التحقيقات الحالية، مثل سابقاتها، مرشحة للتوقف عند عبارات عامة. فالتجارب السابقة لم تُسمّ جهة واحدة رغم كثرة الهجمات، ما يعكس بيئة أمنية وسياسية متآكلة تُدار بصفقات وحسابات لا مكان فيها لسيادة القانون أو حماية الثروات الوطنية
![]()
