بعد 34 يوماً، ستسلم أميركا العراق للفصائل، بعدما تكون قد انسحبت منه بشكل كامل، وفق ما تعلنه واشنطن وبغداد. لكن رغم ذلك، الفصائل المسلحة، التي ستبقى في العراق إلى إشعار آخر، لا تبدو مقتنعة بأن الولايات المتحدة ستغادر بهذه السهولة. الجماعات المسلحة تتحدث عن رواية أخرى، يجري إعدادها في السر، وقد يبدأ تنفيذها مع وصول الرئيس الجديد للبعثة الأميركية إلى بغداد.
وفي كردستان، أُعلن أمس انتهاء المهام العسكرية للقوات الألمانية ضمن التحالف الدولي ضد “داعش”، الذي تقوده الولايات المتحدة.
وفي مطلع آب الحالي، بدأت القوات الأميركية الموجودة في قاعدة تجميع في أربيل الانسحاب تدريجياً، بحسب تقارير غربية. ويفترض، وفق الخطة المعلنة، أن تكون هذه القوات خارج العراق في 30 أيلول، في ثالث انسحاب أميركي معلن من البلاد منذ عام 2003. لكن خلف هذا المشهد، تبدو الأسئلة أكبر من موعد الانسحاب.
“آخر جندي أميركي سيغادر العراق”
لكن نائباً سابقاً يقرأ المشهد من زاوية مختلفة تماماً. ويقول مثال الألوسي: “هل ستبقى أمريكا رغم عدم تسليم الميليشيات السلاح؟ أنا أعتقد، ومعلوماتي تتحدث عن أن التحرك الأمريكي العسكري، أي التحرك الأمريكي على الأرض في العراق، سيصل إلى تصفير هذا الوجود. يعني فعلاً سيكون هناك انسحاب لآخر خبير ومستشار وجندي أمريكي أو عسكري أمريكي في الأرض العراقية”. ويرى الألوسي أن مؤشرات الانسحاب لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تظهر أيضاً في شكل الحضور الدبلوماسي الأميركي في العراق. ويقول الألوسي في حديث مطول: “هذا أيضاً واضح عندما ننظر إلى الدبلوماسية الأمريكية في العراق، سلمت أمريكا العراق دبلوماسياً إلى موظفين من الدرجة الثالثة والرابعة في الخارجية الأمريكية، وهؤلاء هم الموجودون الآن في السفارة الأمريكية في العراق. وسلمت أمريكا العراق إلى السفير الأمريكي الذي لديه علاقات حميمة مع تركيا وكمبعوث رئاسي إلى سوريا وإلى العراق، إضافة إلى موقعه في أنقرة. بمعنى آخر، العراق في الأساس لدى حكومة أو إدارة الرئيس ترامب لا يحظى بموقع متقدم أو أي اهتمام فعلي، لا على المستوى الدبلوماسي ولا على المستوى الرئاسي ولا على المستوى العسكري”. لكن الانسحاب، في قراءة الألوسي، لا يعني أن العراق خرج من الحسابات الأميركية بشكل نهائي.
“العراق مطوق من الجوار”
في هذه الصورة، يرى الألوسي أن العراق يجد نفسه محاصراً من جهاته المختلفة.
“العراق يُطوّق الآن سياسياً، عسكرياً، واستراتيجياً من تركيا، من الأردن، من السعودية التي شاركت في القصف الأخير، من الكويت التي لديها مشاكل كثيرة ولدينا مشاكل كثيرة معها”. ويحذر من أن غياب الوجود الأميركي المباشر، الذي استمر نحو عقدين، قد يزيل حاجزاً كان يمنع أطرافاً عدة من استخدام الساحة العراقية لتصفية حساباتها.
ويقول: “أنا أعتقد التواجد الأمريكي الذي استمر لـ20 عاماً في العراق كان يمنع أن تقوم أمريكا بتوجيه ضربات قاسية إلى أعدائها التقليديين في العراق، وكان يمنع إسرائيل أن تقوم بقصف واستهداف أعدائها التقليديين في العراق، وكذلك يمنع السعودية ويمنع غيرها”.
ويضيف: “انسحاب القوات الأمريكية علنياً ورسمياً، هذا يعني أمريكا تفتح الساحة العراقية إلى أخطر أنواع الصراعات الطائفية والأمنية والتصادم العسكري، وهذا أمر خطر”.
طهران تتحرك لملء الفراغ
في المقابل، يعتقد الألوسي أن إيران تتحرك منذ بدء الحديث عن الانسحاب الأميركي، ليس فقط لحماية حلفائها، بل لإعادة ترتيب البيت الداخلي للفصائل. ويقول: “إيران في الفترة الأخيرة بعد الحديث عن انسحاب أمريكا، تقوم يومياً بزج كل قياداتها الإيرانية على العراق، في محاولة لتثبيت حقيقة أنه أمريكا غير موجودة نحن موجودون، وفي محاولة للملمة المختلفين والمتصارعين والمتنافسين على المراكز وعلى المال من حلفائها في العراق”. ويقرأ ذلك على أنه محاولة إيرانية لتغطية الانسحاب الأميركي: “أي إيران تقول أمام الانسحاب الأمريكي ستقوم بتغطية هذا الانسحاب الأمريكي”. لكن المشهد، بحسب الألوسي، قد يكون جزءاً من لعبة تفاوض أكبر بين واشنطن وطهران. ويقول: “هناك من يتحدث في واشنطن عن أن هذه المحاولات الإيرانية وهذه المحاولات الأمريكية هي جزء من أوراق التفاوض الإيراني – الأمريكي”. غير أن هناك، وفق قوله، من يرى في واشنطن أن سقف التنازلات الإيرانية لن يكون كافياً لوقف ما يصفه بالغضب والتخطيط الأميركي والإسرائيلي ضد طهران. ويضيف: “لكن أيضاً هناك في أمريكا من يقول مهما قدمت إيران في العراق لأمريكا ومهما قدمت إيران لأمريكا في المنطقة لن تصل إلى ما يطمئن النظام الإيراني من الغضب والتخطيط الأمريكي أو الإسرائيلي، بمعنى آخر: هناك من يقول الهدف الآن الفعلي الأمريكي هو استهداف النظام الإيراني”

![]()
