بغداد – بغداد – في ظل غموض متعمد وحجب متعمد للتفاصيل، وقّع العراق وإيران أمس اتفاقية أمنية سرية خلال زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بغداد. الاتفاقية التي وصفها لاريجاني بأنها “شديدة الأهمية”، تأتي في وقت يشهد فيه العراق تحديات داخلية خطيرة مرتبطة بانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة، وتدخلات إقليمية مكثفة تهدد سيادته.
رغم تأكيد الجانب العراقي أن الاتفاقية تركز على “التنسيق الأمني للحدود المشتركة”، إلا أن مصادر مطلعة وتحليلات سياسية تشير إلى بنود أكثر خطورة، تتعلق بمنع أي خرق أمني من العراق يستهدف إيران، مما يطرح علامات استفهام حول مدى قدرة الحكومة العراقية على فرض سيطرتها الفعلية، أو ما إذا كانت مجرد منصة لإيران لتعزيز نفوذها الأمني والسياسي داخل العراق.
الخبير السياسي حسين رويوران يؤكد أن الاتفاقية تستهدف مواجهة التهديد الإسرائيلي، لكن في واقع الحال، هي تعبير عن تسليم السلطة العراقية لمطالب طهران الأمنية، وسط ضعف واضح في الإرادة الوطنية وحالة من التنازلات الخطيرة على السيادة.
على الجانب الآخر، تتحرك الولايات المتحدة بخطى متسارعة، محذرة من أن استمرار انتشار السلاح المنفلت داخل العراق سيؤدي إلى فرض عقوبات قاسية على الحكومة العراقية، كما لا تستبعد واشنطن تدخلات عسكرية إسرائيلية ضد مواقع الفصائل المسلحة، في رسالة واضحة تعكس هشاشة الوضع الأمني والسياسي.
مصادر دبلوماسية في الخارجية الأمريكية تشرح أن طهران تحاول عبر هذه الاتفاقية إرسال رسالة ضمان إلى أذرعها الإقليمية بأنها لا تزال لاعباً محورياً، في حين أن واشنطن متمسكة بخطها الذي يرفض بقاء السلاح خارج سلطة بغداد، وتطالب الحكومة العراقية بالتخلص الفوري من هذه الجماعات المسلحة، أو على الأقل دمجها بالكامل تحت هيمنة الدولة.
تعليقاً على ذلك، يرى مسؤول أمريكي سابق أن “الحديث عن حلول وسط أو مهادنة هو وهم لا مكان له في السياسة الأمريكية تجاه العراق. إما أن تقضي الحكومة على هذه المجموعات أو ستجد نفسها تحت طائلة عقوبات صارمة وربما تدخل عسكري مباشر.”
الأزمة الراهنة تكشف بوضوح عمق الضعف والفساد في الإدارة العراقية، التي تبدو عاجزة عن حماية سيادتها وفرض القانون، في ظل تسابق قوى إقليمية على استثمار الأرض العراقية ملعباً لصراعاتها، ومشهد متشابك من التداخلات الخارجية التي تجعل من العراق ضحية حقيقية بين مطرقة النفوذ الإيراني وسندان الضغوط الأمريكية.
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستستمر بغداد في تقديم تنازلات تجر البلاد إلى مزيد من التبعية، أم ستنتفض من أجل سيادة حقيقية ومستقبل مستقل؟
![]()
