بغداد – أثار إعلان حزب العمال الكردستاني انسحاب مقاتليه من الأراضي التركية بعد اتفاق سلام جديد مع أنقرة، موجة قلق في بغداد، بعدما انتقل المئات من عناصر الحزب إلى المناطق الحدودية العراقية، خاصة في جبال قنديل وسنجار، حيث يفرض الحزب سيطرة فعلية منذ سنوات، وسط صمت حكومي يثير التساؤلات عن حدود السيادة العراقية.
الانسحاب الذي جاء بأمر من زعيم الحزب عبدالله أوجلان لإنهاء الصراع المسلح داخل تركيا، أنهى أزمة تركية داخلية، لكنه فتح ملف فساد وإهمال سياسي وأمني في العراق، إذ لا يزال الحزب مصنفاً “محظوراً” قانونياً، من دون أي موقف رسمي واضح من الحكومة أو البرلمان.
وقال عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي إن “الاتفاق بين تركيا وحزب العمال يخدم أنقرة أولاً وأخيراً، لكنه يخلق مشكلات أمنية وسيادية جديدة للعراق”، موضحاً أن “وجود مقاتلين أجانب داخل الأراضي العراقية يعد خرقاً صريحاً للدستور، والحكومة تتعامل معه بصمت مريب”.
وأضاف أن “العراق لا يمكن أن يقبل بتحول مناطقه الشمالية إلى مواقع دائمة للحزب، لكن السلطات تقف عاجزة عن تطبيق القانون أو حماية أراضيها من النفوذ الأجنبي”.
وبحسب مصادر ميدانية، فإن الحزب يتمتع بنفوذ واسع في جبال قنديل ومناطق من نينوى وسنجار، وسبق أن وقعت اشتباكات محدودة مع الجيش العراقي، في وقت تشير معلومات إلى دعم غير معلن من بعض الفصائل المسلحة التي ترى فيه حليفاً ضد تركيا.
من جانبه، أكد القيادي في الإطار التنسيقي عصام شاكر أن “نقل مقاتلي الحزب إلى العراق لا يعني نهاية الصراع، بل نقله إلى الداخل العراقي”، مشيراً إلى أن “العراق لم يكن طرفاً في الاتفاق، ومع ذلك يتحمل اليوم تبعات سياسية وأمنية بسبب ضعف القرار الحكومي”.
في المقابل، يستمر الوجود العسكري التركي الواسع في شمال العراق بلا أي غطاء قانوني واضح، إذ تمتلك أنقرة أكثر من 40 قاعدة ونقطة انتشار عسكرية في محافظات دهوك وأربيل ونينوى، بذريعة ملاحقة مقاتلي الحزب.
ورغم البيانات المتكررة من بغداد المطالِبة بانسحاب القوات التركية، لم يصدر أي جدول زمني أو موقف حازم من الحكومة، ما كشف تناقضاً صارخاً في التعامل مع ملف السيادة الوطنية.
ويرى مراقبون أن شمال العراق تحول إلى ساحة نفوذ مزدوجة: حزب كردي دخل تحت شعار “السلام”، وجيش تركي يتحرك بحرية تحت عنوان “الأمن القومي”، فيما تتفرج الحكومة العراقية على المشهد بصمتٍ يصفه كثيرون بالعجز أو التواطؤ.
ويحذر خبراء من أن هذا الملف سيكون امتحاناً حقيقياً للحكومة المقبلة، بعد أن تحولت الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال فاقدة للقرار والسيطرة، في وقت تتصاعد فيه الأخطار على الحدود الشمالية، وتغيب أي إرادة سياسية حقيقية لحماية سيادة العراق ووقف تدخلات الخارج.
![]()
