بغداد – في مشهد يجسد حجم الفوضى الأمنية وتواطؤ بعض الجهات الرسمية، تحولت محاولة تنفيذ قرار إداري بسيط في العاصمة بغداد، الأحد، إلى معركة مسلحة كشفت مدى هشاشة الدولة، وسط تساؤلات عن جدوى وجود الأجهزة الأمنية في ظل تغوّل الفصائل المسلحة. الحادثة التي شهدتها مديرية زراعة بغداد في منطقة السيدية، بدأت بمحاولة تسليم الإدارة إلى مدير جديد، “أسامة حسن سلومي”، خلفاً للمقال “أياد كاظم علي” المُتهم بشبهات فساد، إلا أن الوضع سرعان ما خرج عن السيطرة بعدما تصدت عناصر مسلحة تابعة لكتائب حزب الله لقوة رسمية مكلفة بتنفيذ القرار. وبدل أن تفرض الدولة هيبتها، فوجئت القوة الحكومية بوابل من الرصاص من قبل مسلحين قدموا بمركبات لا تحمل لوحات تسجيل، بعضهم يرتدي زي الحشد الشعبي وآخرون بملابس مدنية، في استعراض علني للقوة على مرأى من المواطنين، دون أي رد فوري من قوات الطوارئ أو القيادات الأمنية العليا. 20 مسلحاً يسيطرون على دائرة حكومية وبحسب مصادر أمنية تحدثت لـ”العالم الجديد”، فإن نحو 20 مسلحاً اقتحموا المبنى برفقة المدير المُقال، وأجبروا القوة الرسمية التابعة لشرطة الكرخ على الانسحاب، بل واعتدوا جسدياً على المدير الجديد خلال اجتماع رسمي، وقاموا بطرده بالقوة. وبعد نحو ساعة من التوتر، اندلعت اشتباكات عنيفة استمرت أكثر من 30 دقيقة، وسط غياب شبه كامل للقوات الداعمة، باستثناء تدخل خجول من سرية المغاوير والنجدة، أسفر عن إصابة 9 عناصر أمنية بينهم ضباط رفيعو الرتبة، مثل آمر قاطع النجدة وآمر سرية المغاوير. وفي تطور خطير، وصلت تعزيزات من كتائب حزب الله من مقر قريب، ما أجبر القوات الرسمية التي قادها قائد عمليات بغداد ونائب قائد شرطة الكرخ على الانسحاب، في مشهد وصفه مراقبون بأنه “انكسار للسلطة أمام سطوة السلاح المنفلت”. الدولة تتفرج… والميليشيا تحكم وتداول ناشطون على منصات التواصل، لا سيما “إكس”، مقاطع فيديو توثق الاشتباكات التي دارت قرب محطة وقود في الشارع الرابط بين بغداد والمناطق الجنوبية، واصفين المشهد بأنه أقرب إلى “حرب شوارع”، مع تلميحات إلى أن القرار الرسمي بتنحية المدير السابق لم يكن إلا غطاءً لصراع نفوذ بين فصائل تتنازع السيطرة على المؤسسات. ورغم أن الحادثة كشفت عن وجود قرار إداري رسمي واتهامات بالفساد، إلا أن اللافت هو غياب أي موقف حكومي صارم، وغياب تام للرد من رئاسة الوزراء أو وزارة الداخلية، ما أثار موجة استياء شعبي، اعتبر أن الدولة باتت مختطفة بالكامل من قبل جماعات السلاح غير الرسمي. مطالبات بحصر السلاح وسط هذه الفوضى، ارتفعت أصوات المدونين والمواطنين المطالبين بحصر السلاح بيد الدولة، متسائلين عن جدوى بقاء مؤسسات أمنية لا تستطيع تنفيذ قرار إداري دون دماء واشتباكات، في وقت تُهدر فيه الموازنات العامة على أجهزة لا تملك سلطة على الأرض. واقعة السيدية لم تكن مجرد خلاف إداري، بل دليل إضافي على عمق الانهيار الأمني والإداري في العراق، وسط تغلغل الفساد، وتفكك سلطة القانون، وتغوّل السلاح المنفلت، في مشهد يُهدد بجر البلاد إلى مزيد من الفوضى والانقسام
![]()
