بغداد – لم يعد الحديث عن الأحزاب الناشئة في العراق شأناً سياسياً عابراً، بل تحول إلى مرآة تعكس حجم الانسداد الذي يعيشه النظام السياسي بعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق. فمنذ احتجاجات تشرين 2019، وُلدت عشرات الكيانات التي حملت وعود التغيير، لكنها سرعان ما اصطدمت بجدار المال السياسي والإعلام الموجّه و”السلاح الحزبي” الذي يحكم اللعبة الانتخابية بقبضة حديدية.
ويصف الباحث السياسي ميثم الخلخالي هذا المشهد بأنه “إعادة إنتاج للماضي بواجهات جديدة”، مؤكداً أن كثيراً من الأحزاب الناشئة ليست سوى “أذرع” تابعة للقوى التقليدية، فيما أخرى وُلدت ضعيفة بلا تمويل ولا قاعدة شعبية، لتجد نفسها على هامش المشهد.
المعضلة الجوهرية، كما يراها محللون، أن الحديث عن حرية تأسيس الأحزاب لا يعني وجود منافسة عادلة؛ فالقوى الكبرى التي تمتلك المال والإعلام والأذرع المسلحة لا تترك أي مساحة حقيقية لصعود بدائل. هذا الواقع يجعل حضور الأحزاب الناشئة أقرب إلى “تجميل شكلي” لديمقراطية مشوهة، حيث تُستخدم بعض الكيانات الصغيرة لتشتيت الأصوات أو إيهام الجمهور بوجود تعددية.
ومنذ 2003، تجاوز عدد الأحزاب في العراق 340 حزباً، أي أكثر من عدد مقاعد البرلمان، في مفارقة تكشف كيف تحولت الديمقراطية إلى واجهة مثقلة بالشعارات من دون مضمون. وفي النجف، مهد الاحتجاجات، تبدو الصورة أكثر قتامة: محاولات ولادة أحزاب من رحم الغضب الشعبي غالباً ما تُجهض تحت سطوة القوى التقليدية المتغلغلة في كل مفصل من مفاصل الدولة والمجتمع.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستطيع هذه الكيانات الناشئة أن تكسر “السقف الحديدي” الذي تفرضه أحزاب المال والسلاح، أم أن مصيرها سيبقى مجرد حضور رمزي في مسرحية سياسية مكررة؟
![]()
