تقرير خاص – بغداد – في مشهد سياسي مألوف، عاد الجدل إلى واجهة الخطاب العراقي بعد تصريحات لرئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، ورد قاسٍ من محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي، وسط تبادل اتهامات يعكس استخدام ملف نينوى كورقة انتخابية، دون اعتبار لمعاناة أهلها أو التحديات التي تواجه المحافظة المنهكة.
الفياض، خلال ندوة عقدت في جامعة النور بمدينة الموصل، أشار إلى أن “96% من سكان نينوى ثبتت براءتهم أمنيًا”، مؤكدًا أن “الوضع في المدينة ليس مثاليًا، لكنه يتجه نحو الاستقرار والتعايش”. لكنه في الوقت ذاته، تحدث عن أن “4% من السكان كانوا متورطين بالانتماء إلى داعش”، وهو تصريح أثار موجة من الغضب، خاصة مع توقيته القريب من الاستحقاقات الانتخابية.
الرد جاء سريعًا من أثيل النجيفي، القيادي في حزب متحدون، والذي اعتبر أن تصريح الفياض “كان يجب أن يُقال حين كان أهالي نينوى يرزحون تحت وطأة الملاحقات والتهم الجاهزة”، مضيفًا أن “الآن وبعد أن أثبت أهالي الموصل براءتهم بدمائهم وكرامتهم، فإن التصريح لا يغيّر شيئًا، بل يبدو محاولة للتقرب الانتخابي”.
انتقادات للطرفين.. وغياب للموقف الوطني
رغم تعارض مواقف الطرفين، فإن ما يجمعهما هو الإصرار على توظيف نينوى في الخطاب السياسي. الفياض يلمّح إلى استقرار تقوده حكومته المدعومة من الحشد، فيما يرد النجيفي متهماً خصمه باستغلال أهالي الموصل انتخابيًا. لكن كلا الخطابين يتجاهل الواقع الحقيقي للمدينة: غياب الخدمات، تراكم ملفات التعويض، الدمار، والبطالة، في ظل إدارة حكومية عاجزة عن تقديم حلول جذرية.
وبدلًا من التنافس على مشاريع تنموية أو برامج إصلاح حقيقي، يبدو أن السياسيين يتسابقون على استحضار الماضي، تارة بالتلميح إلى الإرهاب، وتارة بالتذكير بالاضطهاد، لغايات تتعلق بالصناديق الانتخابية لا بالناس الذين عانوا ويدفعون الثمن حتى اليوم.
أين الشعب من هذا كله؟
المفارقة أن أهالي نينوى الذين دُمرت مدينتهم في الحرب على داعش، وواجهوا سنوات من العزل الأمني، ما زالوا يُستخدمون كوسيلة لتسجيل النقاط في الصراعات السياسية. بينما تنتظر الموصل خطة حقيقية لإعمار البنى التحتية، ولإعادة الثقة بين المواطن والدولة، ينشغل القادة بتقديم تصريحات إعلامية طنانة لا تلامس هموم الناس ولا تطمئنهم.
التصريحات الأخيرة، بدل أن تطوي صفحة الماضي وتفتح أفقًا جديدًا، أعادت الجراح المفتوحة، وأكدت أن بعض السياسيين ما زالوا أسرى خطاب التخوين أو الاستعراض، دون أن يدركوا أن المواطن العراقي، وخاصة في نينوى، لم يعد يصدق الشعارات ولا يتحمل المزايدات، بل يبحث عن أمن حقيقي، ووظيفة، وتعليم، وخدمات.
ما جرى بين الفياض والنجيفي ليس خلافًا فكريًا أو جدالًا حول مشاريع تنموية، بل مجرد مناوشة سياسية عنوانها نينوى، وضحيتها سكانها. وفي بلدٍ تتبدد فيه فرص الإصلاح كل يوم، تبقى محاسبة الأداء الحكومي ومراقبة النوايا الانتخابية ضرورة، لا سيما حين يكون الثمن استمرار معاناة شعب كامل باسم الماضي أو الأمن.
![]()
