بغداد – تتسارع المؤشرات المالية في العراق نحو مزيد من الفوضى، فيما يغرق البلد في دوامة ديون داخلية متضخمة تكشف ـ بحسب مختصين ـ عمق الخلل الذي ترسخه السلطات عبر سنوات من الإدارة المرتبكة وغياب أي رؤية اقتصادية حقيقية. ومع اشتداد العجز وتآكل الاستقرار المالي، تتوسع الأسئلة حول الجهات التي سمحت بتفاقم الأزمة وفتحت الطريق لانهيار تدريجي يضرب مفاصل الإدارة المالية للدولة.
في هذا السياق، اتهم النائب السابق محمد الشبكي الحكومة بـ”صناعة الانهيار المالي المتسارع”، مؤكداً أن تضخم العجز لم يكن نتيجة ظروف طارئة، بل ثمرة مباشرة لغياب التخطيط الرشيد وانعدام الجرأة في اتخاذ قرارات حاسمة تضبط الإنفاق وتكبح تضخم الدين الداخلي.
وقال الشبكي إن العراق يسجل اليوم “أعلى مستويات الدين الداخلي منذ عقود”، في وقت كان يفترض بالحكومة إطلاق مسار إصلاحي يعيد هيكلة السياسة المالية، لكن “التردد والمجاملات السياسية” — على حد تعبيره — فاقمت التدهور.
وأضاف أن ما يجري ليس نتاج عوامل خارجية فقط، بل حصيلة “إدارة مالية ارتبكت في أبسط واجباتها”، فسمحت بارتفاع الديون الداخلية والخارجية دون ضوابط مهنية، وعمّقت الهدر في الموارد نتيجة غياب الرقابة وضعف المعايير.
وبالتوازي، حذر أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة نبيل المرسومي من أن “الخطر الحقيقي” يكمن في تضخم الاقتراض الداخلي، لا الخارجي، مشيراً إلى أن اعتماد الحكومة على المصارف المحلية لتمويل عجزها “شوّه السياسة المالية” وتسبب بتهديدات مباشرة للاستقرار الاقتصادي. وأوضح أن البنك المركزي حذر مراراً من هذا التضخم، لكن “التحذيرات بقيت حبراً على ورق”.
وأشار المرسومي إلى أن استمرار المصارف في إقراض الحكومة بلا سقوف أو ضوابط يربك السياسة النقدية ويضع الدولة أمام التزامات مستقبلية يصعب تسديدها. كما دعا إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر فرض ضرائب عادلة على العمالة الأجنبية وتنظيم دخولها، إضافة إلى إخضاع أرباح المؤثرين على مواقع التواصل للرقابة الضريبية، باعتبار أن “العدالة الضريبية ركن أساسي في أي إصلاح جاد”.
وحذر من أن الإنفاق الحكومي المرتفع بلا إصلاحات سيجرّ البلاد إلى أزمة مالية خانقة، داعياً إلى قرارات فورية لخفض النفقات وتعظيم الموارد قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.
ومع تصاعد التحذيرات من بلوغ الدين العام مستويات حرجة، يتابع العراقيون بقلق ما ستفعله الحكومة لاحتواء الأزمة. فالمشهد المالي، وفق الخبراء، يتجه إلى مزيد من التعقيد في ظل غياب إجراءات إصلاحية حقيقية تعيد الانضباط إلى إدارة الموارد وتوقف هدر المال العام. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع: هل تمتلك الحكومة الإرادة لمواجهة الفساد المالي واتخاذ قرارات جريئة قبل انهيار المنظومة بالكامل؟
![]()
