الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي
في عالم السياسة الدولية، نادراً ما تكون التصريحات “المجنونة” مجرد زلات لسان، خاصة عندما تصدر من رئيس احترف فن التفاوض وإدارة الأزمات عبر التشتيت مثل دونالد ترامب. حين أعلن ترامب في عام 2019 رغبته في شراء جزيرة “غرينلاند” من الدنمارك، ضج العالم بالسخرية والاستهجان، واعتبرها الكثيرون “نكتة جيوسياسية”. لكن، هل كان هذا الجدل الصاخب مجرد “تكتيك إلهاء” !! مصمم بعناية لتغطية تحركات أكثر خطورة في الشرق الأوسط، وتحديداً تجاه إيران؟
تكتيك صناعة الضجيج
تعتمد مدرسة ترامب السياسية على مبدأ “الاستحواذ على الدورة الإخبارية”. فبينما كان العالم منشغلاً بخرائط القطب الشمالي وسيادة الدنمارك كانت الإدارة الأمريكية تضيق الخناق بشكل غير مسبوق على طهران عبر استراتيجية “الضغوط القصوى”. من منظور استراتيجي، يعمل “إلهاء غرينلاند” على مستويين: الأول هو استنزاف طاقة الخصوم والحلفاء في قضايا جانبية، والثاني هو خلق حالة من “عدم اليقين” تجعل التحركات العسكرية الحقيقية تبدو وكأنها ضجيج آخر وسط فوضى التصريحات.
التوقيت الحرج: لماذا الآن؟
تزامن مقترح شراء غرينلاند مع تصاعد وتيرة التوترات في الخليج العربي ؟؟ من احتجاز الناقلات إلى إسقاط الطائرات المسيرة. في تلك الفترة كان البنتاغون يعيد تموضع قواته، وكانت واشنطن تبحث عن غطاء سياسي وإعلامي يمنع تشكل جبهة معارضة دولية صلبة ضد أي عمل عسكري محتمل. إن إشغال الرأي العام العالمي بما يسمى بالهذيان العقاري في القطب الشمالي وفر لترامب مساحة للمناورة بعيداً عن أعين الرقابة الدولية اللصيقة بملف طهران.
مناورة الإلهاء الجيوسياسية الباردة
لا نستبعد ان اثارة موضوع غرينلاند هدفه الإلهاء فقط. فترامب بعقليته التجارية يدرك أن الصراع القادم مع الصين وروسيا يمر عبر القطب الشمالي وموارده. لكن الربط بين غرينلاند وإيران يكمن في في لوجستيات القوة فتعزيز النفوذ في الشمال يمنح الولايات المتحدة سيطرة مطلقة على ممرات الملاحة الدولية مما يحرر يدها عسكرياً في بؤر التوتر الأخرى مثل مضيق هرمز دون الخوف من انقطاع سلاسل التوريد العالمية.
عبقرية الفوضى
سواء كان مقترح غرينلاند خطة شراء جادة أو مجرد قنبلة دخانية ؟فقد حقق هدفه التكتيكي بحيث جعل العالم ينظر إلى الشمال بينما كانت يد واشنطن تتحرك في الجنوب. إن سياسة الإلهاء الاستراتيجي التي اتبعها ترامب أثبتت أن أفضل طريقة لإخفاء نية الحرب هي إثارة جدل حول شيء يبدو أكثر سخافة من الحرب نفسها.
في نهاية المطاف ….يبقى السؤال: هل كان شراء غرينلاند هو الهدف أم كان الهدف هو إبقاء ملالي طهران في حالة ارتباك بانتظار ضربة لم ولن تأتي بالشكل التقليدي بل عبر عمليات جراحية وعقوبات شلت مفاصل الدولة؟ الحقيقة قد تكمن في أن ترامب استخدم جليد غرينلاند ليغطي به على تحضيرات النار فوق ايران الملالي محولاً الجغرافيا السياسية إلى مسرح كبير من المرايا والخداع.
![]()
