بغداد – لم يعد المشهد البنفسجي الذي غطّى سماء بغداد صباح الثلاثاء مجرد حالة جوية عابرة، بل أصبح مؤشراً صارخاً على حجم التلوث الذي يخيّم على العاصمة نتيجة تراكم سنوات من الإهمال وغياب الرقابة. اللون البنفسجي في مؤشر جودة الهواء يعني ببساطة أن ملايين السكان يتنفسون هواءً “غير صحي” بدرجة عالية، في مدينة سجّلت مؤخراً المرتبة الثانية عالمياً بين أكثر مدن العالم تلوثاً، وفق بيانات منصة IQAir التي رصدت نحو 150 نقطة ضمن فئة “غير الصحي”.
ورغم خطورة الأرقام، اكتفت وزارة البيئة ببيان يشير إلى رصد “بؤر حرق” في أطراف بغداد، من بينها محيط معسكر الرشيد، مع التلويح باتخاذ إجراءات قانونية لم تُترجم عملياً على الأرض. البيان كشف حقيقة يعرفها الجميع: جهات تستغل الليل لتنفيذ عمليات حرق غير قانونية للنفايات والمواد الصناعية بعيداً عن أعين الدولة، بينما تستيقظ العاصمة كل صباح على غطاء خانق من الدخان.
الخبير المناخي رياض القريشي أكد أن بغداد، إلى جانب الموصل والبصرة، تُعد أكثر مدن العراق تلوثاً، مشيراً إلى غازات خطيرة أبرزها أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين. هذه الغازات، كما يوضح القريشي، ترتبط مباشرة بخلايا الدم وتمنع الأوكسجين من الوصول للجسم، ما يحولها إلى “سموم صامتة” تهدد حياة السكان يومياً.
ورغم التحذيرات العلمية، تتواصل التجاوزات. مرصد “العراق الأخضر” كشف عن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكبريت نتيجة الحرق العشوائي للنفايات ونشاط معامل الطابوق والإسفلت والورش الصناعية التي تعمل بوقود رديء. الجهات المخالفة، بحسب المرصد، لا تُغلق فعلياً، بل تعود للعمل بعد كل حملة شكلية، في ظل ضعف واضح للرقابة الحكومية.
وتعيد هذه الصورة إلى الأذهان ظاهرة “الغيوم السوداء” التي غطّت بغداد سابقاً. ورغم إعلان لجنة الخدمات النيابية عن إزالة 70% منها بعد أكثر من 500 حملة تفتيش، إلا أن المواقع المخالفة عادت للعمل مجدداً بسبب غياب المتابعة، ما يؤكد أن المشكلة ليست في القوانين بل في إرادة التنفيذ.
إلى جانب ذلك، فاقمت ظاهرة الانعكاس الحراري احتجاز الملوثات قرب سطح الأرض، ما جعل سحب الدخان أكثر كثافة. تقارير الأرصاد تشير إلى أن هذا النمط الجوي بات يتكرر بشكل أكبر، ما يعني أن أي انبعاث ليلي يتحول إلى كارثة صحية صباحية.
الأرقام الرسمية تكشف حجم الكارثة: دراسة لمرصد العراق الأخضر تشير إلى أن عوادم المركبات وحدها مسؤولة عن أكثر من 60% من ملوثات بغداد، نتيجة غياب فحص دوري فعّال وقدم آلاف السيارات المتهالكة. أما المولدات الأهلية التي تعمل بوقود عالي الكبريت، فتمثل مصدراً موازياً للغازات السامة التي تغزو الأحياء.
وتظهر الكلفة الصحية والاقتصادية للتلوث بشكل واضح. وزارة الصحة تؤكد أن الجسيمات الدقيقة تتجاوز الحد الآمن بأكثر من عشرة أضعاف، وأن حالات الربو والالتهابات الصدرية ارتفعت بنحو 30% خلال السنوات الأخيرة. أما معهد التخطيط الحضري فيقدّر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تلوث الهواء بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً.
مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء، يضع المشكلة في سياق اقتصادي أوسع، مؤكداً أن أي إنفاق على تحسين جودة الهواء هو “استثمار لا خسارة”، وداعياً إلى تبني استراتيجية خضراء تعالج جذور التلوث بدلاً من التعايش معه.
لكنّ خلاصة المشهد تبقى واحدة: بغداد تختنق اليوم نتيجة فشل المؤسسات في فرض الرقابة، وتحولت إلى مدينة تتنفس السموم بينما تتقاذف السلطات الاتهامات دون حلول جذرية
![]()
