بغداد – في خطوة اعتبرتها منظمات دولية مؤشراً خطيراً على تراجع الحريات في العراق، حذّرت منظمة العفو الدولية، يوم الجمعة، من أن مشروع القانون المطروح أمام مجلس النواب بشأن حرية التعبير والتظاهر السلمي، لا يمثل سوى محاولة مفضوحة من السلطات لتقنين القمع وتكميم الأفواه، داعيةً النواب إلى رفضه أو تعديله بشكل جذري يتوافق مع الدستور والمواثيق الدولية.
وقالت المنظمة، في تقرير ، إن مشروع القانون الذي من المقرر أن يناقشه البرلمان قريبًا، يحتوي على نصوص فضفاضة تفتح الباب واسعًا أمام مزيد من الانتهاكات ضد الصحفيين والناشطين والمعارضين، مؤكدة أن الصياغات الحالية تهدد بتقنين التضييق على الفضاء المدني، وتضفي الشرعية على ممارسات قمعية ظلت تمارسها السلطات دون غطاء قانوني خلال السنوات الأخيرة.
وتعليقًا على ذلك، أوضحت الباحثة في شؤون العراق لدى المنظمة، رزاوز صالحي، أن مشروع القانون بصيغته الحالية يُشكّل تهديدًا مباشرًا للحريات العامة، ويُعدّ انتكاسة دستورية فاضحة. وأضافت أن السلطات العراقية لا تحتاج إلى أدوات قمع إضافية، فهي بالفعل تعتمد على قوانين مبهمة مثل “التشهير” و”المساس بالنظام العام” في ملاحقة الأصوات المستقلة والمنتقدة.
وانتقدت المنظمة بشدة سرية الإعداد لهذا المشروع، وغياب أي حوار حقيقي مع منظمات المجتمع المدني، مما يؤشر – بحسب العفو الدولية – إلى وجود نية مبيتة لتضييق الحقوق الأساسية تحت غطاء تشريعي زائف. وأشارت إلى أن المسودة تم تمريرها بين لجان البرلمان في جلسات مغلقة، دون عرضها للرأي العام، وهو ما يعكس تعمد السلطات التعتيم على مضمون القانون.
كما بيّنت العفو الدولية أن مشروع القانون خضع لقراءتين سابقتين في البرلمان، الأولى بتاريخ 3 كانون الأول 2022 والثانية في 9 أيار 2023، إلا أن السلطات تجاهلت موجة الاعتراضات من منظمات حقوقية وناشطين، ما يدل على وجود إصرار سياسي على إقراره رغم خطورته.
ولفت التقرير إلى أن تغيير عنوان القانون من “حرية التعبير” إلى “التظاهر السلمي” لا يُعدّ سوى محاولة ماكرة لتقليص نطاق الحريات، وتحويل النقاش من حرية الرأي إلى مجرد تنظيم شكلي للاحتجاجات، مما يعني عملياً تشريع أدوات لقمعها.
وفي وقت تُظهر فيه السلطات التشريعية تجاهلًا واضحًا للالتزامات الدستورية، شددت المنظمة على أن أي قانون يجب أن يتطابق مع المادتين 38 و39 من الدستور العراقي، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو ما لا يراعيه المشروع الحالي.
وفي خطوة لا تخلو من تناقض، أصدرت لجنة حقوق الإنسان النيابية بيانًا زعمت فيه أن القانون لا يحدّ من التظاهر، وأنه خضع لتعديلات ألغت العقوبات الجزائية ومتطلبات الموافقات الأمنية، لكن مراقبين اعتبروا ذلك محاولة لتهدئة الرأي العام وتمرير النص في الجلسات المقبلة.
وفي السياق ذاته، كشفت الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين، عن أن مجلس النواب “يتعمد” عدم نشر مشروع القانون للرأي العام، رغم إدراجه على جدول أعمال الجلسة المقبلة في الثاني من آب، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول نوايا البرلمان ومقدار التواطؤ داخل المؤسسة التشريعية ضد حرية التعبير.
تزايدت الشبهات حول مشروع القانون المثير للجدل، مع تصاعد الغضب الحقوقي داخليًا وخارجيًا من الأداء الحكومي والنيابي الذي يُظهر استخفافًا متعمدًا بالحريات العامة. في وقت يواجه فيه العراق أزمات سياسية واقتصادية وأمنية معقّدة، يبدو أن السلطة اختارت بدلاً من الإصلاح، المضي نحو ترسيخ القمع عبر نصوص قانونية قد تقوّض ما تبقى من مساحة التعبير في البلاد .
![]()
