بغداد – في تطور خطير يعكس تداخل القرار الأمني العراقي بالنفوذ الإقليمي، فجّرت وزارة الخارجية الأمريكية، قنبلة سياسية بإعلانها رفض تشريع قانون الحشد الشعبي بصيغته المطروحة داخل البرلمان العراقي، محذرة من أنه “يمنح شرعية لجماعات مرتبطة بإيران ومصنّفة إرهابية”، ويهدد مستقبل الشراكة الأمنية مع بغداد.
وفي مؤتمر صحفي صريح، قالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، تامي بروس، إن “إقرار هذا القانون سيُغيّر طبيعة التعاون الأمني الثنائي مع الحكومة العراقية”، معتبرة أن تمريره يعزز نفوذ ميليشيات خارجة عن سيطرة الدولة، في إشارة مباشرة إلى فصائل مقربة من طهران.
اللافت أن هذه التحذيرات تتزامن مع ما يُوصف محلياً بـ”تواطؤ حكومي واضح” تقوده قوى متنفذة داخل حكومة محمد شياع السوداني، لإضفاء صبغة قانونية دائمة على الحشد الشعبي، رغم الخلافات السياسية العميقة، والتحفظات الشعبية الواسعة حول دوره وتركيبته.
وأفاد مصدر سياسي مطلع بأن “الصيغة الحالية للقانون تعزز استقلال الحشد عن المؤسسة العسكرية وتمنحه قيادة خاصة، الأمر الذي يرفضه الأميركيون ويثير انقساماً حتى داخل المكون الشيعي”، مؤكدًا أن “التمرير لا يزال قيد التفاوض مقابل صفقات سياسية وتقاسم نفوذ”.
وبينما أكدت السفارة الأميركية في بغداد قلق واشنطن العميق، حذر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى من أن هذا التشريع يُقوّض إصلاحات الأمن العراقي، ويمكّن فصائل تتلقى دعماً إيرانياً مباشرًا، داعيًا إلى فرض عقوبات على قادة الحشد، وتجميد جوانب من التعاون الأمني مع بغداد، وربط أي دعم عسكري بمدى التزام العراق بحصر السلاح بيد الدولة.
تقرير المعهد اعتبر مشروع القانون بمثابة “انقلاب قانوني ناعم” على مؤسسة الجيش، يُنذر بتمكين فصائل تعمل كـ”دولة موازية”، ما يهدد وحدة القرار العسكري ويفتح الباب أمام تفكك منظومة الدفاع الوطنية.
ويثير هذا الإصرار الحكومي على تمرير القانون، رغم التحذيرات الدولية، تساؤلات عن أجندات خفية وتنازلات استراتيجية، تكشف أن حكومة السوداني باتت تتحرك ضمن إطار تسويات إقليمية لا تعكس بالضرورة مصالح الدولة العراقية، بل تحفظ مصالح فئات نافذة على حساب السيادة.
ويرى مراقبون أن تمرير هذا القانون في ظل غياب إصلاح أمني حقيقي، سيعني إدماج الفوضى في صلب الدولة، وتحويل السلاح الموازي إلى سلطة رسمية محمية بالقانون، في سابقة تهدد ليس فقط الشراكة مع واشنطن، بل وجود الدولة كمؤسسة جامعة.
وفي ظل هذا المشهد، يتساءل الشارع العراقي: هل أصبحت حكومة السوداني أداة طيّعة بيد تحالفات السلاح؟ وهل بات البرلمان غطاءً لتشريع النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة؟ الأيام القادمة ستجيب، لكن الخسائر قد تكون باهظة.
![]()
