كشف الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في الجامعة المستنصرية، د. أحمد هذال، عن واحدة من أخطر مناطق الهدر في الموازنة العامة العراقية، تتمثل بإنفاق سنوي يقدَّر بين 20 و21 تريليون دينار يُدرج تحت عناوين تشغيلية فضفاضة، مثل الصيانة والنثرية والوقود والإنارة وشراء السلع والخدمات.
وبحسب هذال، فإن هذه المبالغ الضخمة لا تذهب إلى مشاريع استثمارية واضحة أو برامج قابلة للتقييم، بل تتحول إلى عبء ثابت على الموازنة الجارية، من دون أن يلمس المواطن تحسنًا متناسبًا في مستوى الخدمات العامة، ما يجعلها واحدة من أكثر أبواب الإنفاق غموضًا وأقلها خضوعًا للنقاش والمساءلة.
ويشير إلى أن خطورة هذه البنود لا تكمن في عدم الحاجة إليها، فالصيانة والتشغيل ضرورات لأي جهاز حكومي، وإنما في طريقة تصميمها وإدارتها، إذ تُمنح بصيغة واسعة وغير محددة، وتُترك تحت تصرف الدرجات العليا، من دون ربط الإنفاق بأهداف واضحة أو نتائج يمكن قياسها.
ولتوضيح آلية هذا الهدر، يستعرض هذال نموذجًا من إحدى دوائر الدولة، خُصص لها مبلغ خمسة مليارات دينار ضمن عناوين تشغيلية متعددة. المبلغ أُودع دفعة واحدة، ولم تمضِ سوى ساعات حتى صُرف معظمه، بينما لم يظهر على أرض الواقع أي تحسن يعكس حجم الإنفاق. وعندما فُتح الملف لاحقًا، انتهت التحقيقات إلى تضمين مالي جزئي لا يتجاوز مليار دينار، فيما جرى تكييف الفارق الكبير على أنه “سوء تصرف” أو “استخدام غير مقصود”، في واحدة من أكثر الصيغ شيوعًا لتبديد المال العام تحت غطاء قانوني.
ولا يتوقف النزف عند هذا الحد، إذ يتناول هذال ملف الإيفادات الخارجية، التي تحولت في كثير من المؤسسات من أداة لبناء القدرات إلى قناة هدر ناعمة. فبدل تنظيم دورات تدريبية محلية بكلف أقل وأثر أوسع، يجري الإصرار على السفر الخارجي، بما يحمله من نفقات تذاكر وإقامة ومخصصات، في وقت يغيب فيه أي تقييم حقيقي لجدوى هذه الدورات أو انعكاسها على الأداء الإداري.
ويضيف أن ثقافة الإيفاد نفسها انحرفت، حيث بات بعض الموظفين ينظرون إليه كسفرة لا كبرنامج تطوير مهني، ما يعمّق الفجوة بين حجم الإنفاق والعائد الفعلي.
وفي سياق متصل، يسلّط هذال الضوء على بند “الإعانات الخارجية”، الذي تُرصد له نحو 661 مليار دينار سنويًا، متسائلًا عن منطق الأولويات في بلد يعاني من الفقر والبطالة وتردي الخدمات الأساسية. ويرى أن المواطن العراقي أولى بهذه الأموال، سواء عبر برامج دعم مباشر، أو تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، أو تحسين البنية التحتية في المناطق الأكثر تضررًا.
ويخلص الخبير الاقتصادي إلى أن القاسم المشترك بين هذه الملفات هو اعتماد موازنة بنود تقليدية، تُقاس فيها الأرقام بما يُصرف لا بما يُنجز، ما يفتح الباب واسعًا أمام الهدر ويُبقي عشرات التريليونات تدور سنويًا في منطقة رمادية بعيدة عن الرقابة الفعالة.
ويرى أن الحل لا يكمن في لجان تحقيق موسمية، بل في إعادة صياغة فلسفة الموازنة نفسها، والانتقال إلى موازنة برامج وأداء، تُربط فيها كل مخصصات بهدف محدد ومؤشر قياس واضح. من دون هذا التحول، سيبقى الإنفاق الجاري يتضخم، فيما يظل المواطن خارج معادلة العائد، يدفع ثمن موازنة تُدار بالأرقام لا بالنتائج.
![]()
