كان العراق يُعرف قديماً باسم «أرض السواد»، في إشارة إلى كثافة زرعه وأشجاره وخضرة أراضيه، التي كانت تبدو للناظر من بعيد داكنة اللون مقارنة بالبادية والصحراء المحيطة بها. وكانت بساتين النخيل الممتدة على ضفاف دجلة والفرات جزءاً أساسياً من هذا المشهد الزراعي المرتبط بخصوبة بلاد الرافدين منذ آلاف السنين.
لكن «أرض السواد» تغيرت كثيراً. فوفق بيانات أوردتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا»، كان العراق يمتلك نحو 33 مليون نخلة في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن ينخفض العدد إلى نحو 16 مليوناً عام 2012.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت أعداد النخيل بالارتفاع من جديد، إذ تشير تصريحات رسمية حديثة إلى تجاوز العدد 22 مليون نخلة، مع خطط لزيادته إلى نحو 30 مليوناً. غير أن ارتفاع عدد الأشجار لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، فالمياه والملوحة والجفاف والآفات وتراجع إنتاجية بعض البساتين ما تزال تحديات تهدد استدامة هذه الثروة.
لم تختفِ في يوم واحد
لم يكن تراجع النخيل العراقي نتيجة حدث واحد، بل حصيلة عوامل تراكمت لعقود. فقد أسهمت الحروب والصراعات في تدمير مساحات من البساتين، ولا سيما في المناطق الجنوبية والحدودية، فيما أدى تضرر البنية التحتية الزراعية وشبكات الري والصرف إلى زيادة صعوبة الحفاظ على البساتين وإدامة إنتاجها.
كما أسهم ضعف الاستثمار وتراجع الخدمات الزراعية والإهمال في خروج مساحات من البساتين من دائرة الإنتاج. ومع تراجع الجدوى الاقتصادية لبعض المزارع، أصبح الحفاظ على الأشجار القديمة وإعادة تأهيل البساتين أكثر صعوبة.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن العراق كان حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي من أبرز دول العالم في أعداد النخيل وإنتاج التمور، قبل أن يواجه القطاع تحديات، من بينها ضعف تحديث أساليب الزراعة وتدهور البساتين والآفات، إلى جانب عوامل أخرى حدّت من قدرته على الحفاظ على مكانته التاريخية.

![]()
