مع دخول العراق رسميًا ضمن قائمة الدول العشر الأكثر تهديدًا بالعطش عالميًا، تتصاعد المؤشرات الكارثية على غياب أي معالجة حقيقية من السلطات الحكومية تجاه أزمة الجفاف. الأزمة التي تجاوزت حدود النقص في الإطلاقات المائية، باتت تهدد بُنيتين مترابطتين: البيئة والإنسان. في محافظة ذي قار، حيث تصطف الأهوار ضمن قائمة التراث العالمي، يتحوّل المشهد يومًا بعد آخر إلى صورة مرعبة من التدهور والإهمال. عضو مجلس المحافظة أحمد الخفاجي كشف عن موجة نزوح متزايدة من ست مناطق متضررة، نتيجة ما وصفه بـ”جفاف حاد” يجتاح الأهوار ويفتك بمقومات الحياة. الخفاجي أوضح أن مئات العوائل تركت مناطقها، خصوصًا في مناطق الأهوار، بعدما تراجعت مناسيب المياه إلى حدود تنذر بالتصحر، وتسببت في نفوق واسع للثروة السمكية والحيوانية، في ظل تجاهل واضح من السلطات لمخاطر الجفاف، التي باتت يومية ومحسوسة. مناطق الأهوار دخلت فعليًا ضمن “الدائرة الحمراء”، بحسب الخفاجي، ما يعني أن الحياة هناك مهددة بالانقراض، في ظل تفشي الفقر وغياب البدائل الاقتصادية. دعواته لتبني خارطة طريق عاجلة لدعم السكان المتضررين، لم تلقَ حتتى اللحظة أي استجابة رسمية، ما يعكس حجم التجاهل الحكومي للمسؤوليات الدستورية والإنسانية. ورغم إدراج أهوار العراق على لائحة التراث العالمي منذ 2016، غير أن تلك المكانة لم تشفع لها أمام قرارات سياسية فاشلة وتخبط إداري خطير في ملف المياه. فالمساحات المائية تنحسر، والثروة البيئية تتآكل، وسط غياب أي خطط واقعية لإدارة الموارد أو تحصين الأهوار من التهديدات المناخية المتسارعة. في الأيام الماضية، أعلنت تركيا عن إطلاق 420 مترًا مكعبًا في الثانية من المياه تجاه العراق لشهري تموز وآب، وهي كمية لا تكاد تُذكر أمام حجم الحاجة، بينما تكشف تقارير نيابية أن هذه “المنحة” التركية جاءت مقابل منح استثمارات في مشروع طريق التنمية، ما يطرح علامات استفهام خطيرة عن طريقة إدارة العراق لسيادته المائية. المرصد العراقي الأخضر أشار إلى أن تلك المياه لن تدوم لأكثر من شهرين، مؤكدًا نفوق أكثر من 500 رأس جاموس خلال الفترة الماضية، في مشهد يجمع بين استنزاف بيئي وتهاوٍ حكومي في حماية الثروة الحيوانية. ما يجري في ذي قار اليوم لا يقتصر على كارثة بيئية، بل يعكس انكشافًا تامًا للسلطات أمام أزمة بحجم وطن، وعجزًا عن التعامل مع أزمة مياه تتفاقم عامًا بعد آخر، دون رؤية، دون حلول، ودون أدنى إحساس بالمسؤولية. العراق لا ينقصه الماء فقط، بل يعاني من شحّ في الإرادة والقيادة
![]()
