بغداد – في لحظة مفصلية تتقاطع فيها مصالح العراق مع استراتيجيات القوى الكبرى، تثير التحركات الأمريكية الأخيرة تساؤلات حول جدية الانسحاب واحترام السيادة الوطنية، في ظل تسريبات عن ضربات مرتقبة ضد الفصائل العراقية.
مسؤول دفاعي أمريكي أكد التزام واشنطن بـ”إنهاء مهمة التحالف في العراق في سبتمبر”، مع الاستمرار في “جهود هزيمة داعش وقطع طرق إمداد إيران ومليشياتها”، لكن مصادر سياسية وعسكرية أفادت بأن القوات الأمريكية بدأت فعليًا بتسريع انسحابها من قواعد رئيسية في بغداد والأنبار والجنوب، مع الإبقاء على حضورها في إقليم كردستان، في خطوة اعتبرها مراقبون إعادة تموضع استراتيجية تحاكي تحضيرًا لتحرك عسكري محتمل.
صحفي عراقي كشف أن رسالة أمريكية وصلت إلى قادة الإطار التنسيقي عبر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني تضمنت إنذارًا بضرب 16 هدفًا للفصائل التي استهدفت قوات واشنطن في الحسكة السورية، مع تأجيل التنفيذ إلى ما بعد زيارة الأربعين. هذا التناقض بين إعلان الانسحاب وتسريع الانسحاب الفعلي والتهديد بالضربات يطرح علامات استفهام كبيرة حول شفافية الإجراءات ومصداقية التصريحات الأمريكية.
في الوقت نفسه، أصدرت السفارة الأمريكية تحذيرات متكررة من توسع نشاط داعش، في إطار التبرير المستمر لوجود القوات الأمريكية، بينما حذر رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني من أن “الإصرار الأمريكي على إبعاد الحشد والتهديدات الإسرائيلية المتصاعدة تعني وجود نية لغزو العراق بريًا”، ما يعكس استياءًا واضحًا من استغلال الانسحاب المعلن لتبرير إعادة انتشار عسكري غير معلن.
المشهد الأمني في العراق يظهر إذًا مركبًا: إعلان عن الانسحاب، تسريع انسحاب فعلي من بعض القواعد، تسريبات عن ضربات مؤجلة، تحذيرات من داعش، وتصعيد الخطاب السياسي العراقي، مما يضع العراق في موقف هش أمام سياسات خارجية تتجاوز اتفاقيات الشراكة وتستغل التناقضات لصالح أهداف استراتيجية أمريكية إقليمية.
يبدو أن الانسحاب المعلن في سبتمبر قد يكون مجرد خطوة شكلية، فيما تستمر واشنطن في إعادة رسم وجودها العسكري بطريقة أكثر صدامية، تاركة السلطات العراقية أمام تحديات جسيمة ومصالح متضاربة قد تتحول إلى فساد سياسي وأمني يمس سيادة الدولة .
![]()
