بغداد – في الوقت الذي يفترض أن يكون فيه منصب رئيس الجمهورية ركناً لضمان استقرار الدولة، تكشف التطورات السياسية في العراق أن هذا المنصب يتحول اليوم إلى ساحة صراع محتدم بين القوى المتنفذة، في مشهد يفضح حجم الفساد السياسي والتنافس على النفوذ بدلاً من احترام روح الدستور ومصلحة الشعب.
المستشار القانوني سالم حواس أوضح أن الدستور منح رئيس الجمهورية مكانة تنفيذية متساوية مع رئيس الوزراء، وفق المادة 66 التي تُقرّ بأن السلطة التنفيذية تتكون من الطرفين معاً. إلا أن الممارسة السياسية المنحرفة حولت المنصب إلى ورقة مساومة بين الأحزاب، تتجاوز دوره الدستوري وتضعه في قلب الصفقات السياسية.
وبحسب حواس، يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات مفصلية تشمل دعوة البرلمان للانعقاد بعد الانتخابات، التصديق على القوانين، تكليف رئيس الوزراء، وتعيين المناصب العليا. وهي صلاحيات لا يمكن لحكومة تصريف الأعمال ممارستها، ما يجعل المنصب نقطة ارتكاز لضمان استمرارية مؤسسات الدولة. ومع ذلك، تعيش البلاد منذ سنوات حالة من التفريغ المتعمد للصلاحيات عبر الأعراف السياسية والضغوط الحزبية.
ورغم وضوح الدستور في تقييد عدد دورات الرئيس بدورتين فقط، فإن القوى السياسية تلتف حول النصوص وتحوّل المنصب إلى كعكة يتم تقاسمها بين المتنفذين، بينما يبقى رئيس الوزراء خارج هذا القيد، ما يفتح الباب أمام نفوذ مستمر طويل الأمد يترك آثاراً خطيرة على توازن السلطات.
الخبراء الدستوريون يؤكدون أن الرئيس يمتلك أيضاً صلاحية حلّ البرلمان في حالات محددة، وهي أداة يمكن أن تعيد ترتيب موازين القوى وتضغط على الأطراف المتصارعة. لكن هذه الصلاحية تحولت بدورها إلى ورقة مساومة في أيدي الأحزاب، التي تسعى إلى السيطرة على المنصب خشية استخدامه ضدها في لحظات الانسداد السياسي.
ورغم أن العرف السياسي خصص المنصب للأكراد منذ 2005، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت أطماعاً متزايدة من قوى وشخصيات سياسية مختلفة، ما أدى إلى تحويل المنصب من حالة توافق وطني إلى بؤرة صراع شخصي وحزبي تزداد اشتعالاً بعد كل انتخابات.
ويرى مراقبون أن هذا التزاحم المحموم على المنصب لا يتعلق بالرمزية، بل بالصلاحيات التي لا يستطيع أي طرف التفريط بها، خصوصاً في ظل حكومات تصريف الأعمال الطويلة، وتراجع الثقة بالعملية السياسية، وتعطل المشاريع بسبب المحاصصة والصراع على النفوذ.
في المحصلة، منصب رئيس الجمهورية يفترض أن يكون صمام أمان للدولة، لكنه أصبح اليوم مرآة لفساد الطبقة السياسية، التي تحوّل النصوص الدستورية إلى أدوات لخدمة مصالحها، بينما يدفع المواطن ثمن هذا الانسداد والتلاعب بمؤسسات الدولة.
![]()
