في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة في العراق وتزايد الضغط على سوق العمل، تتكشف مجموعة من التحديات البنيوية التي تعرقل جهود الإصلاح الاقتصادي. ويبرز الاعتماد على النفط وضعف التنويع الاقتصادي والفجوة بين التعليم واحتياجات السوق، إلى جانب تضخم التوظيف الحكومي وضعف بيئة القطاع الخاص كعوامل رئيسية للأزمة.
وفي وقت تتصاعد فيه العائدات النفطية التي تشكل النسبة الأكبر من موازنة الدولة، تتزايد في المقابل أعداد العاطلين عن العمل، خصوصاً بين فئة الشباب، حيث تشير التقديرات إلى نسب بطالة تتراوح بين 20 و25 بالمئة في هذه الشريحة، رغم انخفاض النسبة العامة المعلنة رسمياً.
وتوضح بيانات وزارة التخطيط أن معدل البطالة انخفض إلى نحو 13 بالمئة، إلا أن هذه الأرقام تواجه تشكيكاً من قبل خبراء، في ظل استمرار تدفق مئات الآلاف من الخريجين سنوياً إلى سوق العمل، مقابل محدودية قدرة الاقتصاد على الاستيعاب.
ويرى مختصون أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، الذي يشكل نحو 90 بالمئة من الإيرادات العامة، دون أن ينعكس ذلك على خلق فرص عمل حقيقية، في ظل ضعف تنويع الاقتصاد وغياب القطاعات الإنتاجية القادرة على استيعاب العمالة.
ويؤكد مستشارون اقتصاديون أن العراق لا يزال يعاني من اقتصاد ريعي يعتمد على الاستيراد بشكل كبير، ما جعله سوقاً مفتوحاً للسلع الخارجية، بدلاً من تطوير قاعدة إنتاجية محلية قادرة على المنافسة.
وفي المقابل، يشير مراقبون إلى أن تضخم الجهاز الحكومي وارتفاع معدلات “البطالة المقنعة” داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب ضعف بيئة الاستثمار والبيروقراطية، كلها عوامل ساهمت في تعقيد أزمة التشغيل.
وعلى المستوى الاجتماعي، ينعكس هذا الواقع في ارتفاع نسب الفقر متعدد الأبعاد، والتي تشمل مؤشرات الدخل والتعليم والصحة ومستوى المعيشة، ما يضع نحو ثلث السكان تحت ضغط اقتصادي مباشر.
ويرى خبراء أن معالجة أزمة البطالة في العراق تتطلب تحولاً هيكلياً في الاقتصاد، يبدأ من تنويع مصادر الدخل، مروراً بإصلاح منظومة التعليم وربطها بسوق العمل، وانتهاءً بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتوفير بيئة قانونية مستقرة للاستثمار.
ويحذر مختصون من أن استمرار الفجوة بين قدرات الشباب وفرص العمل المتاحة قد يحوّل البطالة من أزمة اقتصادية إلى تحدٍ اجتماعي أوسع، في بلد يمتلك ثروات طبيعية كبيرة لكنه يواجه اختلالاً في إدارة الموارد وتوزيع الفرص.

![]()
