لم يكد يمر سوى أيام قليلة على نيل حكومة رئيس الوزراء، رجل الأعمال “علي الزيدي”، ثقة البرلمان، حتى بدأت كواليس ” المنطقة الخضراء” السياسية تغلي بتسريبات بالغة الخطورة تمس نزاهة النظام الرقابي بأكمله . وتتحدث هذه التسريبات بين دهاليز وأروقة مكاتب رئاسة الوزراء عن اتصالات مبطنة وضغوط مارستها جهات مقربة من مكتب رئيس الوزراء الجديد على رئيس هيئة النزاهة الاتحادية، تهدف إلى إحالة ملفات الفساد المالي والإداري المتعلقة بشركاته الاستثمارية وعقوده المليارية السابقة إلى “أرشيف النسيان” داخل الهيئة. لتضع هذه التطورات “هيئة النزاهة” و حتى ” ديوان الرقابة المالية” أمام اختبار تاريخي ومصيري وأمام الرأي العام ؟ فإما أن تثبت استقلاليتها الدستورية، أو أن تسقط في فخ “زواج المتعة السياسي” ذلك التحالف النفعي المؤقت الذي يشرعن الفساد ويقايض الملفات الرقابية بالمكاسب السياسية لتأمين بقاء الحكومة.
وفقاً لتسريبات سياسية موثوقة حصلت عليها “منظمة” استقصائية من داخل أروقة الإطار التنسيقي، حيث تم رسم خارطة طريق واضحة ومحكمة ” للزيدي”، رئيس الوزراء المكلف، تقضي بأن يكون واجهة تنفيذية شكلية فقط، لا صاحب قرار حقيقي.
الهدف الرئيسي من هذه الخارطة هو تمكين قيادات الإطار التنسيقي وقادة الفصائل الولائية العقائدية من تنفيذ سياساتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر أجهزة الدولة، مع الحفاظ على صورة “رجل التوافق” أمام الرأي العام والمجتمع الدولي.
وبحسب هذه التسريبات التي حصلت عليها المنظمة ، فإن أي خروج من قبل “الزيدي” عن هذا الخط المرسوم بدقة، أو أي محاولة لاستقلالية حقيقية في الملفات السيادية كالنفط، المالية، المنافذ الحدودية، أو مكافحة التهريب، والطعن بالفصائل الولائية العقائدية المسلحة العابرة للحدود ستكون له عواقب وخيمة جداً.
وفي هذا السياق، يقوم نواب في البرلمان تابعون للفصائل الولائية العقائدية حالياً بعملية منظمة ودؤوبة لتجميع كافة الملفات المالية والإدارية التي تورطت بها الشركات التجارية التابعة لعلي الزيدي، سواء مجموعة “الأويس” التجارية أو غيرها من الكيانات التي حصلت على عقود ضخمة في السلة الغذائية وإطعام القوات الأمنية على مدى السنوات الماضية. وليس هذا فحسب، بل تشمل الملفات المجموعة أيضاً قضية شهاداته الدراسية الجامعية، في محاولة واضحة لاستخدامها كورقة ضغط أو ابتزاز سياسي في اللحظة المناسبة.
وحتى الدعم الأمريكي الذي حصل عليه ” الزيدي ” فانه يبقى سلاح ذو حدين ؟ صحيح أن “الزيدي” يتمتع بدعم أمريكي واضح ومباشر في هذه المرحلة، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة على الإطار التنسيقي لاختيار شخصية “غير تقليدية” نسبياً بعيداً عن وجوه الميلشييات المباشرة. لكن هذا الدعم، مهما بدا قوياً اليوم، يظل رهينة البرلمان العراقي. ففي حال خروج الملفات المجموعة إلى العلن تحت ستار “الشفافية والنزاهة”، قد ينهار هذا الدعم الدولي أمام أصوات النواب داخل قبة البرلمان، خاصة إذا تم تقديمها كدليل على تعارض مصالح أو شبهات فساد كبيرة.ومن جهة أخرى، هناك آراء داخلية ترى أن “الزيدي” قد يلجأ إلى استراتيجية معاكسة، فيستغل ورقة الدعم الأمريكي لمصلحته الشخصية. يتمثل ذلك في طلب من الإدارة الأمريكية إدراج أسماء نواب أو قيادات فصائلية ضمن قوائم العقوبات الجديدة لوزارة الخزانة الأمريكية، في حال حاولوا ابتزازه أو عرقلة عمل حكومته بشكل منهجي. هذا السيناريو يعكس حالة توازن رعب متبادل بين الأطراف، حيث يصبح السلاح الأمريكي أداة داخلية في صراع النفوذ العراقي. لان هيئة النزاهة البرلمانية قد تكون أداة تجميد وليست أداة محاسبة أما بالنسبة لهيئة النزاهة الاتحادية، فإن المصادر التي خصت ” المنظمة ” تشير إلى سيناريو واضح ومقلق لان بعد التصويت على الكابينة الوزارية ونيلها ثقة البرلمان، ستُجمد الهيئة جميع الملفات المتعلقة بشركات ” الزيدي ” وأعماله التجارية السابقة. ولن يقتصر الأمر على ذلك، بل سيتحول عمل الهيئة خلال السنوات الأربع القادمة إلى ملاحقة “صغار الفاسدين” من الموظفين البسطاء، فيما سيبقى “حيتان الفساد” من درجة مدير عام فما فوق في منأى تام عن أي مساءلة حقيقية. وهذا النهج ليس جديداً، بل يعكس نمطاً تقليدياً متجذراً في عمل المؤسسات الرقابية العراقية، حيث تتحول إلى أداة سياسية تخدم التوازنات القائمة بدلاً من مكافحة الفساد المنهجي.

![]()
