في الغرف المغلقة التي اجتمعت فيها القوى الشيعية خلال الأسابيع الأخيرة، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: متى تسلم الفصائل سلاحها؟ السؤال تغير، وأصبح: ماذا لو لم تسلمه أصلاً؟
حتى وقت قريب، كانت بغداد تتحدث عن نزع السلاح باعتباره واحداً من الملفات التي لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
وفي مطلع آب الماضي، وافقت القوى السياسية، بحسب ما دار في اجتماع لـ”ائتلاف إدارة الدولة”، على اعتبار الجماعات التي ترفض نزع السلاح “إرهابية”.
لكن شيئاً ما تبدل خلال الأسابيع التالية.
أعضاء في اللجنة الثلاثية التي يفترض أن تتولى التفاهم مع الفصائل باتوا يتحدثون بلغة مختلفة. وفي الأسبوع الأخير، أكد اثنان من أعضاء اللجنة أن تفكيك السلاح ليس مطروحاً عملياً.
كان نوري المالكي، أحد أعضاء اللجنة، أكثر وضوحاً. قال إن نزع السلاح يمكن أن يؤثر في “نفسية الفصائل”.
أما هادي العامري، زعيم منظمة بدر، فرفض هو الآخر نزع السلاح، مع نفيه في الوقت نفسه احتمال حدوث “صدام مسلح”. أما محمد السوداني، العضو الثالث في اللجنة، فلم يعلن موقفاً واضحاً من التطورات الأخيرة.
وبينما كانت الحكومة تتراجع خطوات عن لغة المواجهة، كانت “حركة النجباء” تنهي جولات من الاتصالات مع القوى الشيعية بالتأكيد على عدم المساس بـ”قدسية” سلاح المقاومة، بحسب بيان للفصيل.
وكان زعيم الحركة، أكرم الكعبي، قد ذهب أبعد من ذلك في بيان سابق، حين هدد بأن أي جندي أميركي يبقى في العراق بعد 30 أيلول سيعود “جثة”.
وهكذا، خلال أسابيع قليلة، انتقل الملف من محاولة البحث عن صيغة لنزع السلاح إلى البحث عن صيغة تسمح ببقائه.
التسوية الإيرانية
لم تكن طهران بعيدة عن هذا التحول، فخلال الشهر الماضي، لم تتوقف زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بغداد، وفي خضم تلك الاتصالات ظهرت صيغة مختلفة عما كانت تطرحه الحكومة العراقية: تخزين السلاح بدلاً من نزعه.
كانت الفصائل قد قدمت في وقت سابق شروطاً بدت، بالنسبة إلى بعض المحللين، أقرب إلى الاشتراطات التعجيزية. تحدثت عن “تنظيم السلاح”، لكنها لم تعلن بوضوح أنها ستنخرط في الترتيب الجديد.
ثم جاءت التسوية الإيرانية لتمنح هذا الموقف مخرجاً آخر.
وفي بغداد، تغيرت اللهجة أيضاً، فبعد أن كانت الحكومة تلوح باستخدام “قانون الإرهاب” ضد من يرفض تفكيك السلاح، بدأت تتحدث عن أدوات أخرى، بينها إقرار “قانون الحشد” كحافز للفصائل بدلاً من دفعها إلى مواجهة مباشرة.
ويعتقد محللون أن بغداد كانت، في جزء من هذه المناورة، تحاول حماية الفصائل من غضب واشنطن.
لكن المشكلة أن حماية الفصائل من واشنطن قد لا تعني أن واشنطن ستقبل بحمايتها.
أربع سنوات أخرى
عضو في الإطار التنسيقي، تحدث طالباً عدم نشر اسمه، يقول إن الفصائل المسلحة، وبضغط إيراني، لم تعد تشعر بأنها مهددة كما كانت قبل شهر.
ويؤكد عضو التحالف الشيعي أن الفصائل “لن تسلم السلاح، على الأقل خلال دورة الأربع سنوات للحكومة الحالية”.
“لكن بقاء السلاح له ثمن”، ويضيف عضو التحالف الشيعي أن الجميع يعرف أن استمرار الفصائل المسلحة يعني “عداء واضحاً لواشنطن”، وأن العراق قد يتعرض لعقوبات شبيهة بتلك التي تعرضت لها إيران.
ثم يطرح السؤال الذي يبدو أنه يطارد بعض السياسيين الشيعة: “لا نعرف على ماذا يعولون؟”.
السؤال ليس عن قدرة الفصائل على الاحتفاظ بسلاحها فحسب، وإنما عن الخطة التي يفترض أن تحميها من رد الفعل الأميركي.

![]()
