العوالم الخفية لكارتيلات عصابات الجريمة المنظمة لصناعة أزمة البنزين في العراق ؟ كيف تتحول السيارات العسكرية إلى محطات تعبئة وقود متنقلة للمواطن؟
منذ أيام، عادت طوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود في بغداد وعدد من المحافظات، في مشهد بات مألوفاً لدى العراقيين كلما ظهرت أزمة في البنزين أو الغاز أو النفط الأبيض. وبينما تكتفي البيانات الرسمية بتبريرات عامة عن “سوء الأحوال اللوجستية” أو “زيادة الطلب”، تكشف ” للمنظمة ” شهادات ميدانية واتصالات مباشرة مع مواطنين ومسؤولين عن صورة مختلفة تماماً: أزمة البنزين ليست مجرد خلل عابر، بل نتيجة منظومة فساد متراكمة، وشبكات منظمة تتاجر بالمشتقات النفطية وتحوّل الشحّ إلى فرصة ربح خلال ساعات.
هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي يستند إلى موجز أولي تم جمعه عبر اتصالات شخصية قام به ” رئيس ومؤسس المنظمة ” مع أقرباء وأصدقاء وشهود عيان، إضافة إلى تسريبات من داخل وزارة النفط، ليقدّم قراءة موسّعة ومفصّلة لكل نقطة من نقاط الأزمة على أرض الواقع.
غياب الخطط الخمسية والسنوية: رغم أن العراق من الدول النفطية الكبرى، لم تُطرح أو تُنفّذ خطط خماسية أو سنوية جادة لتحديث المصافي أو بناء مصافٍ جديدة عالية الكفاءة. ما جرى في الغالب هو مشاريع متفرقة، بعضها لم يكتمل، وبعضها افتتح ثم توقّف بعد أسابيع بسبب مشاكل فنية وتقنية.
مصافٍ قديمة ومصافٍ جديدة غير كفوءة: المصافي القديمة تعمل بتكنولوجيا متقادمة، لا تسمح بإنتاج كميات كافية من البنزين عالي الجودة. أما المصافي الجديدة، فبحسب شهادات من داخل القطاع، لم تُبنَ وفق معايير صارمة، وظهرت فيها أعطال مبكرة، وصلت في بعض الحالات إلى توقف شبه كامل للإنتاج بعد فترة قصيرة من افتتاحها.
النتيجة العملية: العراق، رغم ثروته النفطية، يعتمد بشكل كبير على استيراد البنزين والمشتقات، ما يجعل أي اضطراب في الاستيراد أو النقل يتحول إلى أزمة داخلية. هذا الفراغ في التخطيط يفتح الباب أمام شبكات الفساد لاستغلال كل ثغرة.
ثانياً: من سوء الإدارة إلى هندسة الشحّ
في كل أزمة بنزين، تُعلن وزارة النفط عن “شح مؤقت” وتدعو المواطنين إلى عدم الهلع. لكن ما يجري على الأرض، وفق الاتصالات والشهادات التي جُمعتها المنظمة ، يكشف أن الشحّ لا يكون دائماً نتيجة ظرف طارئ، بل يُدار أحياناً بطريقة تجعل الأزمة تتفاقم وتُستثمر ومن خلال العوامل التي تساعد على تفاقم الأزمة :
تقليل التجهيز للمحطات قبل الإعلان الرسمي: أصحاب محطات وقود أهلية وحكومية يلاحظون انخفاضاً في كميات البنزين المجهّزة لهم قبل أيام أو ساعات من ظهور الأزمة للعلن. هذا التخفيض في التجهيز يخلق حالة من التوتر والطلب المتزايد، ويُمهّد لظهور السوق السوداء.
غياب الشفافية في توزيع الحصص: لا توجد آلية شفافة ومعلنة لتوزيع حصص البنزين على المحطات، ما يسمح بالتلاعب في الكميات المرسلة، وتفضيل جهات على أخرى، وخلق مناطق “أشد شحّة” من غيرها، تُستغل لاحقاً في رفع الأسعار في السوق السوداء.
تسارع ظهور السوق السوداء: في دول أخرى، تحتاج الأزمات إلى أيام أو أسابيع حتى تتشكل سوق سوداء منظمة. في العراق، وفق الشهادات، تظهر السوق السوداء خلال ساعات من بداية الأزمة، ما يدل على وجود شبكات جاهزة تتحرك فوراً، وليست مجرد رد فعل عفوي من مواطنين.
ثالثاً: كارتيل مافيا الفصائل الولائية والمشتقات النفطية… شبكة منظمة تتجاوز الحدود
أخطر ما تكشفه الاتصالات والتسريبات هو وجود ما يمكن وصفه بـ“كارتيل المشتقات النفطية”، وهي شبكات منظمة تتاجر بالبنزين والمشتقات الأخرى، وترتبط مباشرة بفصائل ولائية عقائدية عابرة للحدود، إضافة إلى قيادات في الحشد الشعبي وألوية وفصائل تابعة له.
تفضيل تزويد مقرات الفصائل بالشاحنات: وفق ما تم تسريبه من داخل وزارة النفط، يتم تفضيل تزويد مقرات بعض الفصائل الولائية بالشاحنات المحمّلة بالبنزين والمشتقات، عبر شركة توزيع المنتجات النفطية. هذه الشاحنات تصل إلى مقرات تلك الفصائل بكميات كبيرة ومنتظمة.
محطات وقود “باطنية” تابعة للفصائل: من هذه المقرات، يتم توزيع البنزين إلى محطات وقود غير معلنة رسمياً، أو إلى نقاط بيع تابعة لتلك الفصائل، تعمل في الظل، وتبيع البنزين بأسعار مضاعفة عن السعر الرسمي. الفارق في السعر يذهب لصالح تلك الفصائل وشبكاتها المالية.
سرقة البنزين من الخزانات المركزية: في بعض الحالات، لا يقتصر الأمر على الحصص الرسمية، بل يتم سحب كميات إضافية من الخزانات المركزية التابعة لشركة توزيع المنتجات النفطية، وتحويلها إلى خزانات خاصة، ثم بيعها في السوق السوداء.
رابعاً: وحدات في الدفاع والداخلية… من مستهلك إلى متاجر

![]()
