تناول تقرير لمعهد تشاثام هاوس للدراسات في لندن أزمة مضيق هرمز وتبعاتها في إعادة رسم خارطة جديدة لتجارة وصادرات النفط في الشرق الأوسط، في وقت يسعى فيه العراق إلى تنويع مسالك صادرات بديلة عبر ميناء جيهان التركي وإحياء مشروع خط أنابيب إلى ميناء العقبة الأردني وإنشاء خط أنابيب جديد إلى سوريا وميناء بانياس، لكن تحديات أمنية كبيرة تعرقل تنفيذ هذه المشاريع، أبرزها استمرار الحرب والتوترات الإقليمية واستهداف منشآت الطاقة المختلفة، فضلاً عن فساد مستشرٍ وضعف مؤسسات الدولة وانقسامات سياسية ونفوذ فصائل مسلحة، ما يهدد تمويل المشاريع وتنفيذها.
وأشار التقرير إلى أن الحرب على إيران، وما نجم عنها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أدت إلى كشف هشاشة مسارات التجارة والطاقة الحالية، كما زعزعت توازن القوى التقليدي في أنحاء الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يسعى العراق وكذلك سوريا ولبنان إلى استثمار مواقعها الجغرافية بين أوروبا ودول الخليج من خلال تحسين الترابط فيما بينها عبر خطوط أنابيب النفط والغاز، والطرق البرية، والسكك الحديدية، والممرات الرقمية. وبعد أن كانت هذه الدول تشكل ركائز في النظام الإقليمي الذي تقوده إيران، باتت حكوماتها اليوم تسعى إلى تعزيز سيادتها عبر تنويع علاقاتها الاقتصادية، وهو تحول يحظى بدعم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقبل اندلاع الحرب، كان العراق يصدر نحو 3.3 مليون برميل يومياً من حقوله النفطية الجنوبية. وبحلول الأسبوع الثاني من شهر آذار/مارس، انهارت الصادرات الجنوبية بشكل حاد. إلا أن هذه الصادرات بدأت تتعافى تدريجياً اعتباراً من منتصف نيسان/أبريل، لتصل إلى 2.3 مليون برميل يومياً في شهر آب/أغسطس، مستفيدة من الخصومات التي قدمها العراق للمشترين، وكذلك من سماح إيران، وفقاً لتقارير، لناقلات النفط العراقية بالعبور عبر المضيق.
خط أنابيب العراق – سوريا
ويشير التقرير إلى أن العراق يسعى بالفعل إلى تنويع مسارات تصدير نفطه بعدة طرق. فبغداد تعمل على توسيع صادراتها عبر ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، الذي تمر عبره بالفعل كميات من النفط العراقي، كما تناقش أيضاً إحياء مشروع قديم لإنشاء خط أنابيب يصل إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، يعمل العراق وسوريا على مشروع خط أنابيب جديد ينقل النفط الخام العراقي غرباً إلى البحر المتوسط، بهدف منح بغداد بديلاً إضافياً يخفف اعتمادها الكبير على التصدير عبر مضيق هرمز.
وغالباً ما يوصف هذا المشروع بأنه إحياء لخط أنابيب كركوك – بانياس التاريخي، الذي كان ينقل النفط من شمال العراق إلى الساحل السوري. إلا أن المشروع الجديد يتضمن إنشاء بنية تحتية جديدة لتشكيل شبكة أوسع تربط الحقول الجنوبية والشمالية في العراق بمحور رئيسي في مدينة حديثة غرب العراق، ومنها يتجه النفط غرباً عبر سوريا إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، وشمالاً باتجاه تركيا.
وتقدر تكلفة المشروع بحوالي 15 مليار دولار، بينما يتوقع أن يستغرق تنفيذه نحو أربع سنوات.
وتفيد التقارير بأن إدارة ترامب تدعم المشروع في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني عبر إيجاد بدائل لمضيق هرمز.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية الأولية المقترحة للشبكة الجديدة حوالي مليوني برميل يومياً، ما سيمكن العراق من تحويل جزء كبير من صادراته بعيداً عن هرمز. لكن المشروع لن يلغي أهمية مضيق هرمز، بل سيؤدي إلى تنويع مسارات التصدير فقط، لأن معظم النفط العراقي يتجه إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، اللتين يمكن الوصول إليهما بسرعة أكبر عبر الخليج مقارنة بالبحر المتوسط.
ممرات جديدة بين الشرق والغرب
من جانب آخر، يبحث لبنان وسوريا أيضاً إمكانية إعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية التي قد تربط مستقبلاً الساحل اللبناني عبر سوريا بكل من العراق وتركيا ودول الخليج.
ولا يقتصر السعي إلى تعزيز الترابط على البنية التحتية التقليدية، بل يمتد أيضاً إلى المجال الرقمي، حيث يجري التخطيط لإنشاء شبكات ألياف ضوئية جديدة تمر عبر العراق وسوريا، لتوفير مسارات برية بديلة لدول الخليج لنقل كميات هائلة من البيانات التي تمر حالياً عبر كابلات بحرية معرضة للمخاطر.
الطاقة تحت الهجوم
ويشير التقرير إلى أنه حتى الآن، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الطموحات والواقع. فالعراق وسوريا ولبنان تواصل العمل على هذه المشاريع الضخمة بينما تعيش في ظل حرب لا تملك السيطرة عليها، وتواجه تحديات أو تدخلات خارجية.
ولا تزال إيران تحتفظ بنفوذ واسع عبر شبكاتها السياسية والعسكرية في المنطقة، بما في ذلك جماعات داخل العراق ولبنان أثبتت مراراً قدرتها على تهديد البنية التحتية الحيوية.
وفي العراق، تعرض حقل خور مور الغازي لسلسلة من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي نسبت إلى فصائل مسلحة.
ومؤخراً، أدت هجمات انطلقت من الأراضي العراقية إلى الإغلاق المؤقت لخط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، والذي صمم بدوره لتقليل اعتماد المملكة على مضيق هرمز.
وفي شرق سوريا، حيث يفترض أن يمر ممر الطاقة العراقي الجديد، شنت جماعات مسلحة، من بينها تنظيم داعش، هجمات على آبار النفط وشاحنات نقل الخام.
العقبات الداخلية
ويشير التقرير إلى أن العقبة الرئيسية الأخرى الداخلية تتمثل في الفساد المستشري. فالعراق ولبنان وسوريا جميعها تحتل مراتب متأخرة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
وفي الأنظمة السياسية التي تستخدم فيها العقود الحكومية كوسيلة لتوزيع المنافع، تتحول المشاريع العملاقة إلى فرص قد تستغلها القوى السياسية لتحقيق مكاسب مالية من العقود، غالباً على حساب تنفيذ المشاريع بكفاءة.
فالمشاريع الضخمة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنسيق القرارات لسنوات طويلة، وإنفاذ العقود، وحماية الأصول، وتوحيد المصالح المتنافسة حول مشروع وطني واحد.
إلا أن السلطة في العراق ما زالت موزعة بين قوى سياسية متعددة ومؤسسات متنافسة، وفصائل مسلحة، مما يجعل ذلك الحكومة عاجزة عن ضمان أمن المشاريع أو توفير تمويلها، بينما يستطيع العديد من الأطراف تعطيل تنفيذها أو استغلالها لتحقيق مكاسب خاصة. وينتج عن ذلك فجوة جوهرية بين حجم الطموحات والقدرة الفعلية على التنفيذ.
عن مركز تشاثام هاوس للدراسات

![]()
