بغداد -يشهد المواطن العراقي مع اقتراب عيد الأضحى أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة التحديات الاقتصادية التي أثقلت كاهله، حيث بلغ متوسط سعر الأضحية من نوع الخروف نحو 500 ألف دينار عراقي، أي ما يعادل قرابة 382 دولارًا أمريكيًا. هذا الارتفاع الكبير في الأسعار يأتي في وقت يعاني فيه أغلب العراقيين من تراجع الدخل، وتدهور الوضع المعيشي، وارتفاع معدلات البطالة، ما جعل من شراء الأضاحي عبئًا يفوق إمكاناتهم.
تقديرات أعداد المواشي في العراق تتراوح بين 13 و16 مليون رأس من الأغنام والماعز والأبقار والجاموس والإبل، إلا أن هذه الأرقام تبقى تقريبية وغير دقيقة بسبب ضعف منظومة الإحصاء الرسمية، واستمرار التهريب عبر المنافذ غير الخاضعة للسيطرة الحكومية، الأمر الذي يعكس غياب سياسة واضحة للدولة في إدارة وتنظيم هذا القطاع الزراعي الحيوي. في بلد يمتلك تاريخًا عريقًا في تربية الماشية، تبدو الدولة عاجزة عن تأمين قاعدة بيانات واضحة أو رقابة فاعلة على الأسواق.
الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع لا تقتصر على المضاربات التجارية، بل تشمل أزمات هيكلية متكررة، أبرزها الجفاف المتواصل الذي أدى إلى تراجع المساحات الزراعية ومراعي الأعلاف، إضافة إلى انتشار الأمراض الحيوانية، والنقص الحاد في الأدوية البيطرية واللقاحات، وكلها عوامل تركت أثرًا سلبيًا على صحة المواشي، وساهمت في تقليص المعروض ورفع الأسعار. ومع ذلك، لم تُظهر الحكومة أي جدية في دعم المربين أو مواجهة هذه التحديات. على العكس، تمادت في استيراد الأبقار والمواشي دون إجراءات وقائية كافية، ما أثار انتقادات واسعة خشية من إدخال أمراض جديدة تهدد الثروة الحيوانية المحلية.
أما على مستوى الأسعار، فقد تراوحت تكلفة الخروف الواحد بين 400 و600 ألف دينار، بينما بلغت أسعار الماعز ما بين 300 و550 ألف دينار، في حين استقرت أسعار العجول ما بين 1.5 و3.5 مليون دينار. ويعتقد العديد من الباعة أن هذه الأسعار لن ترتفع كثيرًا خلال الأيام المقبلة بسبب ضعف الإقبال، إذ تراجعت القدرة الشرائية لمعظم المواطنين إلى مستويات متدنية، في ظل غياب أي دعم من الدولة.
المشكلة ليست فقط في الأسعار، بل في غياب المعالجة الجذرية. فالحكومة العراقية لم تبادر حتى الآن بخطط فعلية لضبط الأسواق أو دعم المنتج المحلي أو تخفيف الأعباء عن المواطنين. لم تطرح مبادرات لتوفير المواشي بأسعار مدعومة، أو لتوزيع الأعلاف بأسعار رمزية، أو حتى لتنظيم المنافذ البيطرية، ما جعل المواطن وحده يواجه هذا التضخم دون سند. وفي ظل هذا الواقع، يضطر الكثير من العراقيين إما للتخلي عن الأضحية كليًا، أو اللجوء إلى حلول بديلة مثل المشاركة الجماعية في أضحية واحدة لتقاسم التكاليف، وهي ممارسة تعكس تآكل الطبقة الوسطى وتراجع الرفاه الاجتماعي بشكل لافت.
النداءات تتوالى من الجهات البيطرية ومن جمعيات المربين، لكنها لا تجد آذانًا صاغية. يطالبون بتدخل حكومي يضبط الأسعار، يراقب الأسواق، ويقدم دعمًا حقيقيًا لقطاع المواشي، لكن الاستجابة تأتي إما متأخرة أو لا تأتي أبدًا. في المقابل، يستفيد المضاربون والوسطاء من هذا الفراغ، ويتحكمون بالأسواق بما يخدم مصالحهم، ما يعمّق شعور المواطن بانعدام العدالة الاقتصادية وغياب الدولة عن مشهده اليومي.
واقع الأضاحي في العراق اليوم لا يمثل فقط أزمة موسمية، بل يعكس خللًا بنيويًا في إدارة الثروة الحيوانية، وفي تعامل الحكومة مع الأمن الغذائي بشكل عام. عيد الأضحى الذي كان يومًا مناسبة للفرح والتكافل، يتحول عامًا بعد عام إلى مرآة تعكس هشاشة الاقتصاد وغياب العدالة الاجتماعية، وفشل السياسات الحكومية في حماية الفئات الأكثر تضررًا .
![]()
