بغداد – أعلن عضو الإطار التنسيقي محمود الحياني أن “الأيام القليلة المقبلة ستشهد عقد اجتماع سياسي واسع يضم جميع المكوّنات الوطنية لحسم ملف الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة الجديدة”، في تصريح بدا، للوهلة الأولى، كإعلان بروتوكولي اعتيادي، لكنه يعكس في مضمونه عودة واضحة إلى منطق إدارة السلطة القائم على التوافق الشامل وتقاسم النفوذ.
وبحسب حديث الحياني ، فإن الاجتماع المرتقب سيجمع ممثلين عن الكتل البرلمانية والأحزاب الرئيسة، لوضع “المعايير النهائية” لاختيار مرشحي الرئاسات الثلاث، إلى جانب رسم “الخطوط العامة” للبرنامج الحكومي المقبل. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات عميقة حول المسار الذي تتجه إليه العملية السياسية بعد انتخابات 2025، في ظل مؤشرات متزايدة على إعادة إنتاج صيغة “حكومة الجميع” وغياب أي معارضة فاعلة.
ويرى مراقبون أن الدعوة إلى اجتماع شامل لكل القوى المتنفذة تعيد إلى الأذهان تجربة مجلس الحكم عام 2003، وما تلاها من نماذج حكم قامت على المحاصصة والتوافق القسري بين المكوّنات، وصولًا إلى ائتلاف “إدارة الدولة” عام 2022، الذي جمع أغلب القوى السياسية داخل سلطة واحدة، مقابل برلمان شبه خالٍ من المعارضة الحقيقية.
هذا النمط من الحكم، الذي حوّل التمثيل الطائفي والقومي إلى قاعدة ثابتة لإدارة الدولة، لم يكتفِ بتهميش فكرة الأغلبية والمعارضة، بل أسهم – وفق منتقديه – في ترسيخ الفساد عبر شراكة الجميع في القرار والموارد. فحين تكون جميع الكتل الكبرى جزءًا من الحكومة، تصبح الرقابة البرلمانية شكلية، وتتحول ملفات الفساد إلى عبء مشترك يجري الالتفاف عليه بالتسويات السياسية لا بالمحاسبة.
ومع اقتراب الإعلان عن تفاهمات جديدة لتشكيل الحكومة، تبرز المخاوف من أن يكون الاجتماع المرتقب خطوة استباقية لتوزيع المناصب السيادية واحتواء الخاسرين والفائزين داخل تحالف عريض، يعيد تدوير الوجوه ذاتها، ويغلق الباب مرة أخرى أمام أي محاولة جادة لفتح ملفات الفساد أو إصلاح بنية الدولة.
في هذا السياق، لا يعود السؤال المطروح محصورًا في هوية شاغلي الرئاسات الثلاث، بقدر ما يتمحور حول مستقبل العملية السياسية نفسها: هل ستشهد البلاد أخيرًا ولادة معارضة برلمانية حقيقية قادرة على المحاسبة، أم أن الطبقة السياسية ماضية في استنساخ تجربة “الجميع في السلطة” بكل ما تحمله من فشل وتآكل ثقة وفساد
![]()
