
بقلم : د .أيهم السامرائي
لم تعد المواجهة الأمريكية–الإيرانية تقتصر على احتمال الضربة العسكرية، بل دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الحرب الاقتصادية، والطاقة، والنفط، والمصارف والممرات البحرية. ترامب لن يتخلى عن الخيار العسكري ومن الخطأ الاعتقاد أن انتقال واشنطن إلى الضغط الاقتصادي يعني التخلي عن العمل العسكري. على العكس، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على استخدام القوة العسكرية والضغط الاقتصادي في آن واحد: إضعاف القدرات الإيرانية عسكرياً، ثم توسيع الخناق الاقتصادي والمالي على النظام الإيراني لإجباره على تقديم تنازلات سياسية. فالحرب الاقتصادية بالنسبة لترامب ليست بديلاً عن القوة العسكرية، وإنما أداة مكملة لها. واشنطن تستطيع أن تضرب أهدافاً عسكرية عند الحاجة، وفي الوقت نفسه تخنق مصادر تمويل إيران، وتضغط على صادرات النفط، والبنوك، والشركات والدول التي تساعدها على تجاوز العقوبات. والهدف النهائي هو إضعاف النظام الإيراني إلى أقصى درجة ممكنة قبل أي تسوية أو مواجهة جديدة.
إيران أمام اختبار اقتصادي أصعب وطهران اعتادت العقوبات، وطورت خلال السنوات الماضية وسائل للالتفاف عليها، خصوصاً من خلال التجارة مع الصين وروسيا واستخدام العملات المحلية وشبكات مالية غير مباشرة. لكن اتساع نطاق الضغط الأمريكي يمكن أن يجعل كلفة هذه الأساليب أعلى بكثير. فكلما ضاقت قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على العملات الصعبة، وكلما زاد الضغط على البنوك والشركات والدول التي تتعامل معها، أصبح الاقتصاد الإيراني أكثر هشاشة، وبالتالي يصبح النظام نفسه أكثر عرضة للضغط الداخلي. وهنا تكمن أهمية الاستراتيجية الأمريكية: ليس المطلوب بالضرورة إسقاط النظام بضربة عسكرية، وإنما إنهاكه اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً حتى يصبح أكثر ضعفاً في أي مواجهة أو مفاوضات قادمة.
العراق قد يدفع الثمن الأكبر والخطر لا يتوقف عند إيران. العراق قد يكون أحد أكبر المتضررين من هذه الحرب الاقتصادية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي واعتماده الكبير على النفط، وإنما بسبب تشابك جزء كبير من اقتصاده وتجارته ونظامه المالي مع إيران ونفوذ القوى المرتبطة بها. إذا توسعت العقوبات الأمريكية لتشمل الجهات التي تساعد إيران على تجاوز الحصار، فإن المؤسسات والشركات والبنوك العراقية التي تتعامل مع إيران قد تجد نفسها تحت ضغط مباشر. وهنا تكمن المشكلة الأخطر: الاقتصاد العراقي ليس مستقلاً بالقدر الكافي عن النفوذ الإيراني. فإيران لا تملك تأثيراً سياسياً وأمنياً فقط، بل تمتلك، عبر شبكات التجارة والطاقة والمصارف والجهات المرتبطة بها، نفوذاً واسعاً داخل الاقتصاد العراقي. وبالتالي، فإن أي حصار اقتصادي أمريكي واسع على إيران قد يمتد أثره إلى العراق، خصوصاً إذا تحول العراق إلى منفذ لتمويل إيران أو الالتفاف على العقوبات.
العراق بين خيارين العراق: إما أن يحمي اقتصاده ونظامه المصرفي وسيادته المالية، أو يسمح بتحويله إلى شريان اقتصادي لإيران، وعندها سيدفع ثمن ذلك من اقتصاده واستقراره وعلاقاته الدولية. ولهذا يجب على بغداد أن تنأى بنفسها عن الصراع، وأن تمنع استخدام الأراضي والمؤسسات والبنوك العراقية للالتفاف على العقوبات، وأن تعمل في الوقت نفسه على تنويع طرق تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. العراق لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي، لكنه يستطيع أن يغير درجة تبعيته الاقتصادية.
المشهد المقبل قد لا يكون حرباً أمريكية–إيرانية شاملة في يوم واحد، وإنما حرباً طويلة متعددة الأدوات: ضربات عسكرية عند الحاجة، وحصار اقتصادي ومالي متصاعد، وضغط على النفط والطاقة والمصارف والممرات التجارية. والهدف الأمريكي، على الأرجح، ليس الاكتفاء بإجبار إيران على التفاوض، بل إضعاف قدرتها على تمويل نفوذها الإقليمي وعلى الاستمرار في المواجهة من موقع قوي. أما العراق، فإن الخطر الحقيقي عليه هو أن يدفع ثمن ارتباط اقتصاده بالنفوذ الإيراني. فإذا استمر العراق كاقتصاد تابع ومخترق من قوى خارجية، فقد يتحول الحصار المفروض على إيران تدريجياً إلى حصار يلامس الاقتصاد العراقي نفسه. ولهذا فإن المعركة الحقيقية للعراق ليست أن يختار بين واشنطن وطهران، بل أن يختار العراق نفسه: دولة ذات سيادة، واقتصاد مستقل، ونظام مصرفي محمي، ونفط لا يستخدم لخدمة اي دولة اخرى.
المؤتمر الوطني المزمع عقده في عمّان يمكن أن يشكّل بوابة نجاة للعراق، وفرصة حقيقية لحقن الدماء ومنع الانزلاق نحو حرب أهلية جديدة. ولذلك، فإن هذا المؤتمر يجب أن يكون جامعًا لكل القوى الوطنية العراقية، بما فيها حزب البعث، وجميع الحركات والقوى الوطنية المشاركة في حكومة الزيدي، باستثناء الحركات الإسلامية السياسية التي ارتبطت بإيران وقدمت مصالحها على مصلحة العراق وشعبه. إن إشراك هذه القوى في حكومة وطنية انتقالية يثير إشكالية كبيرة، خصوصًا إذا ثبت ارتباطها بدولة أجنبية وتقديمها الولاء الخارجي على الولاء للعراق. فالحكومة الانتقالية الوطنية يجب أن تقوم على أساس الولاء للعراق وحده، واحترام سيادته واستقلال قراره الوطني. لقد وافق الزيدي على عقد المؤتمر وبرعاية أمريكية وأوروبية، وهذا أمر نرحب به من حيث المبدأ. ولكن، مع الأسف، هناك من المحيطين به من يدفع باتجاه تعقيد أجندة المؤتمر، ومحاولة فرض مشاركة القوى الإسلامية المرتبطة بالمشروع الإيراني، من السنة والشيعة، في الوقت الذي يجري فيه السعي إلى استبعاد حزب البعث والقوى الوطنية الأخرى. ونحن نعمل، وبضغط كبير، من أجل أن يكون هذا المؤتمر مؤتمرًا وطنيًا عراقيًا حقيقيًا، لا مؤتمرًا لتقاسم النفوذ أو إعادة إنتاج المحاصصة، وأن تُتاح للقوى الوطنية العراقية، بما فيها حزب البعث، فرصة المشاركة في صياغة مستقبل العراق. نريد مؤتمرًا يجمع العراقيين على أساس المواطنة والولاء للعراق، ويضع حدًا للتدخلات الخارجية، ويمهد لقيام دولة عراقية قوية، موحدة، مستقلة وذات قرار سيادي.
إن شاء الله ننجح، وينجح العراق، ويبقى العراق الواحد القوي المتمكن. وتذكروا دائمًا: إن الله معنا.
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغير/ الحراك العراقي
٢٧ / ٨/ ٢٠٢٦
![]()
