بغداد – منذ أكثر من عشرين عاماً، تغيّر كل شيء في العراق تقريباً، باستثناء واقع واحد ظلّ ثابتاً: الحظر. فبعد أن خرج البلد من حقبة مناطق الحظر الجوي العسكرية التي سبقت 2003، دخل في حظرٍ من نوع آخر، أكثر كلفة وأطول عمراً، تفرضه هذه المرة لوائح السلامة الأوروبية، وسط عجز حكومي مزمن عن معالجته.
وحتى آخر تحديث رسمي لقائمة السلامة الجوية الأوروبية بتاريخ 8 كانون الأول 2025، اطلعت عليه بغداد اليوم، ما تزال الخطوط الجوية العراقية وفلاي بغداد مدرجتين في الملحق (A) ضمن قائمة الشركات المحظورة من التحليق في أجواء الاتحاد الأوروبي، في مشهد يختصر فشل منظومة الطيران المدني، لا ظرفاً طارئاً.
من حظر عسكري إلى فشل تنظيمي
الحظر الحالي لا يرتبط بالأمن أو بالحرب، بل بملف أكثر إحراجاً: السلامة والرقابة والإدارة. فبعد سنوات من استعادة السيطرة الاسمية على الأجواء، ورغم تحسّن الوضع الأمني وتحديث أجزاء من الأسطول، فشل العراق في إقناع الجهات الأوروبية بامتلاكه سلطة طيران مدني قادرة على الإشراف والرقابة وفق المعايير الدولية.
الاتحاد الأوروبي، الذي أطلق “قائمة السلامة الجوية” عام 2005، أدرج الخطوط الجوية العراقية رسمياً في 2015 بسبب ما وصفه بـ”نواقص جوهرية في منظومة السلامة وضعف الإشراف التنظيمي”، وهي ملاحظات لم تُعالج حتى اليوم، رغم مرور عشر سنوات كاملة.
فضيحة تتوسع… وإضافة «فلاي بغداد»
وفي تشرين الثاني 2023، لم يتوقف النزيف، بل توسّع بإدراج شركة فلاي بغداد على القائمة السوداء، بعد رفض منحها ترخيص المشغّل الأوروبي (Part-TCO)، بسبب مخاوف تتعلق بإدارة السلامة وإرهاق الطواقم وساعات الطيران، ما أعاد تسليط الضوء على عجز سلطة الطيران المدني عن ضبط الشركات العاملة تحت علم العراق.
ولم تمضِ أشهر حتى جاءت عقوبات وزارة الخزانة الأميركية في كانون الثاني 2024 لتربط اسم الشركة بملفات أمنية خطيرة، شملت نقل مقاتلين وشحنات سلاح، لتتحول القضية من خلل إداري إلى فضيحة سياسية وتنظيمية عابرة للحدود.
روايتان… والحقيقة واحدة
في مقابل الوثائق الأوروبية التي تؤكد أن الحظر سببه “السلامة وضعف الرقابة”، تخرج رواية رسمية من داخل بغداد تقلّل من حجم الفشل، وتصف الأزمة بأنها “مالية فقط”، متعلقة بفواتير ورسوم غير مدفوعة.
لكن المفارقة الصارخة أن جميع البيانات الأوروبية الرسمية تخلو تماماً من أي إشارة لأسباب مالية، وتربط الحظر حصراً بغياب الامتثال لمعايير السلامة الدولية، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً:
هل تخفي الحكومة جوهر المشكلة خلف تبريرات مالية لتجنب الاعتراف بفشلها الإداري؟
خسائر بالمليارات وسمعة مشلولة
في الوقت الذي تستعد فيه شركات أوروبية لتسيير رحلات مباشرة إلى بغداد، تبقى الشركات العراقية نفسها ممنوعة من الوصول إلى أوروبا، في مفارقة تكشف اختلال المعايير داخل مؤسسات الدولة.
هذا الحظر لا يضرب “الخطوط الجوية العراقية” فقط، بل:
يحرم الاقتصاد من عائدات خطوط استراتيجية
يدفع المسافرين لاستخدام شركات أجنبية
يستنزف العملة الصعبة
ويُبقي سمعة العراق الجوية معلّقة في خانة الدول عالية المخاطر
سماء مغلقة… وفساد مفتوح
استمرار الحظر الأوروبي حتى 2025 ليس تفصيلاً تقنياً، بل شهادة دولية على فشل منظومة كاملة، من التشريع إلى الرقابة، ومن الإدارة إلى المحاسبة.
![]()
