بغداد – في قلب وزارة الداخلية ببغداد، داخل غرفة عمليات صغيرة يراقبها ضباط مرتبكون، تتكدس الشاشات بعشرات الصفحات التي تبيع السلاح على مواقع التواصل… أسلحة خفيفة ومتوسطة تُعرض كما تُعرض الملابس، ولا أحد من المسؤولين يحرّك ساكنًا! مشهد يفضح حجم الانهيار في ضبط الأمن، وحجم الفساد الذي سمح لمتاجر الموت بأن تنمو علنًا دون خوف ولا مساءلة.
النائب ياسر إسكندر يؤكد أن فرقًا في الداخلية تمكنت من شل جزء كبير من “الصفحات السوداء”، لكن الحقيقة أن هذه الخطوة ليست سوى معالجة سطحية لمشكلة صنعتها عقود من فساد، ومحاصصة، وإهمال أهدر هيبة الدولة. فمنذ 2003، سقطت الحدود بيد المهربين، وتحوّلت المدن إلى سوق مفتوح للسلاح، بينما جهات نافذة داخل مؤسسات الدولة تغض الطرف أو تشارك في هذه التجارة المربحة.
بيع السلاح ليس مجرد مخالفة قانونية، بل دليل على أن شبكات كاملة تعمل تحت حماية أطراف نافذة، وأن السلاح يتنقل بين المحافظات مثل أي بضاعة تجارية، فيما المواطن يُحاسب على منشور فيسبوك بينما تجار الدم يمارسون نشاطهم علنًا.
الخبراء يؤكدون أن الصفحات ليست المشكلة… بل الدولة ذاتها التي سمحت لهذه الفوضى أن تتجذر. فالمعابر الحدودية مملوكة لجهات مسلحة، والتقارير الأمنية تُدفن في الأدراج، والرقابة الإلكترونية ضعيفة، بل مخترقة أحيانًا لصالح المهربين.
إغلاق بعض الصفحات مجرد محاولة لإظهار “إنجاز إعلامي”، لكن السيطرة الحقيقية تتطلب مواجهة لوبيات السلاح داخل المؤسسات، وتشديد الرقابة على الحدود، وإصلاح أجهزة الأمن المخترقة.
ملف تجارة السلاح اختبار صارخ لهيبة الدولة: إمّا أن تستعيد سلطتها… أو تترك العراقيين فريسة لفوضى مسلحة لا تنتهي، تستنزف الدم وتعمّق الخراب، بينما الفاسدون يثرون من تجارة الموت بلا خوف ولا حساب.
![]()
