مرةً أخرى، تثبت ليلة رأس السنة أن الدولة العراقية غائبة تمامًا، وأن الحكومة لا تمتلك من “الجاهزية” سوى البيانات، ولا من “التحذيرات” سوى الكلام الفارغ.
300 إصابة بسبب الألعاب النارية ليست رقمًا عابرًا، بل فضيحة أمنية وصحية مكتملة الأركان، تكشف فشل الحكومة في أبسط واجباتها: حماية الناس، وخصوصًا الأطفال. فكيف تُملأ شوارع بغداد بالألعاب النارية والطلقات النارية، ثم تخرج الجهات الرسمية لتتحدث عن “عدم التزام الأهالي” وكأن الدولة مجرد متفرج عاجز؟
الأكثر خطورة أن وزارة الصحة نفسها تعترف بأن الأرقام غير نهائية، ما يعني أن الحقيقة أسوأ مما أُعلن، وأن هناك إصابات لم تُسجل أصلًا. وهذا ليس تفصيلاً، بل دليل إضافي على انهيار منظومة الرقابة والمتابعة، وترك المواطن وحيدًا في مواجهة الفوضى.
أما الحديث عن تسجيل إصابات بطلق ناري وحوادث سير في ليلة واحدة، فهو تأكيد جديد على أن السلاح المنفلت والفوضى المرورية باتا “أمرًا طبيعيًا” في ظل هذا العجز الحكومي المزمن، حيث لا قانون يُطبّق ولا محاسبة تُذكر.
ورغم كل ذلك، تحاول الجهات الرسمية تلميع الصورة بالقول إن “معظم الإصابات طفيفة”، وكأن إصابة طفل أو إدخاله المستشفى بسبب لعبة نارية تُباع علنًا في الأسواق أمر يمكن التهوين منه.
الحقيقة الواضحة أن نداءات الحكومة لا تحمي أحدًا، وأن التحذيرات بلا قرارات حازمة، وبلا منع حقيقي، وبلا محاسبة، ليست سوى ذر للرماد في العيون. فلو كانت هناك دولة، لما تكررت هذه المشاهد كل عام، ولما تحولت المناسبات إلى مواسم جرحى.
ما حدث ليس “سوء استخدام”، بل سوء حكم.
وليس “قلة وعي”، بل غياب دولة.
والمسؤولية لا تقع على الأهالي وحدهم، بل على حكومة اعتادت الهروب من الفشل بدل مواجهته.
![]()
