بغداد – بغداد – يبدو أن مشروع الدفع الإلكتروني الوطني الذي أعلنه البنك المركزي العراقي مؤخراً لا يواجه فقط تحذيرات من “العقبات الأميركية” المحتملة في حال إساءة استخدامه، بل يوشك أن يدخل في صراع داخلي حاد، وسط هيمنة شركات كبرى مثل “QI” و”VISA” على سوق المدفوعات في العراق، ما يسلط الضوء على خلل تنظيمي وفشل حكومي في احتواء التحديات التقنية والاقتصادية المصاحبة.
الخبير الاقتصادي علي دعدوش حذّر في تصريحات صحفية من “معركة محتومة” بين البطاقات القديمة والجديدة، لاسيما بشأن السيطرة على رواتب موظفي الدولة، وحصة التاجر من العمولة، التي تبلغ 0.05%، إلى جانب النفوذ في توزيع أجهزة نقاط البيع (POS) المنتشرة في الأسواق.
واعتبر دعدوش أن غياب سياسة احتواء واضحة من البنك المركزي قد يؤدي إلى فوضى مدفوعات تُربك السوق بدل تنظيمه، داعياً إلى تبني استراتيجية مزدوجة تتضمن إشراك شركة “QI” في جزء من منظومة البطاقة الوطنية، وتحديد فترة زمنية مدروسة للتحوّل التدريجي نحو النظام المحلي الجديد.
كما شدد الخبير على أهمية عدم التدخل في عمل بطاقات “VISA” الدولية، التي تلعب دوراً محورياً في التحويلات بالدولار، خاصة مع حساسية التوازن المالي في بيئة اقتصادية مرتبطة بالدولار بشكل وثيق، وهو ما يعكس تحدياً إضافياً أمام السلطات النقدية التي تسعى لتوطين المدفوعات المحلية دون توفير إطار تنفيذي واضح أو احتواء للمصالح المتشابكة.
وأشار دعدوش إلى تجارب ناجحة لبلدان مثل روسيا والهند وتركيا، التي واجهت تحديات مشابهة واستطاعت من خلال دمج الأنظمة البنكية وربطها بمعايير الدفع العالمية مثل “IBAN – RTGS” أن تبني أنظمة مستقرة ومتوازنة تُراعي واقع السوق وتحفز المنافسة بدلاً من خنقها.
ويثير هذا الواقع تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الجهات الحكومية لتطبيق مشروع الدفع الوطني بشكل عملي دون إثارة اضطرابات مالية، خاصة في ظل ما يصفه مراقبون بـ”غياب رؤية شاملة” تراعي التحديات الميدانية والمصالح المتداخلة.
يُذكر أن البنك المركزي لم يوضح حتى الآن آلية التعامل مع شركات الدفع الخاصة، أو كيفية فرض البطاقة الوطنية الجديدة على المؤسسات والتجار، ما يعكس حالة من التردد وعدم الوضوح في الرؤية التنفيذية للمشروع، ويُعيد إلى الواجهة قضايا الفشل المزمن في إدارة التحول الرقمي في البلاد .
![]()
