بغداد – في مشهد انتخابي متوتر تغذّيه الانقسامات وتضارب المصالح، يطفو على السطح تحذير خطير يكشف عمق الأزمة داخل النظام الديمقراطي العراقي، حيث لا يقتصر الخلل على تجاوزات فردية، بل يمتد ليكشف وجهاً فاضحاً من وجوه الفساد السياسي المتجذر، عبر تسييس الإدارة الخدمية وتحويلها إلى أداة غير معلنة للدعاية الانتخابية.
التحذير الذي أطلقته النائبة سعاد المالكي بشأن تورّط عدد من مدراء البلديات في دعم حملات انتخابية لمرشحين، لا يمكن اعتباره حادثاً عرضياً، بل هو مؤشر صريح على انهيار الحياد المؤسسي، وتكريس نموذج “الخدمة المشروطة” الذي يمنح امتيازات لفئات معينة مقابل الولاء الانتخابي، في خرق واضح لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.
وبدل أن تكون مؤسسات الدولة خادمة للمواطن بصرف النظر عن خياراته السياسية، تحوّلت في بعض المناطق إلى منصات لشراء الأصوات وتوجيه الناخبين، في تكرار مشين لممارسات شهدتها البلاد في دورات انتخابية سابقة، حيث تم استغلال مشاريع الدولة، وتوزيع الأراضي، وتدشين المشاريع الوهمية قبيل الاقتراع بساعات، في محاولة لابتزاز أصوات المواطنين باسم “المنجز”.
وتزداد خطورة هذا المشهد حين يصبح التنافس بين مرشحين مدعومين من داخل الدولة ويستخدمون نفوذهم الإداري والمالي، وبين مرشحين يُجبرون على خوض معركة انتخابية بأدوات فقيرة وعديمة التأثير، ليغدو الناخب محاصراً بين وعود بلا ضمانات ومصالح تُشترى بمال الدولة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد خلل إداري عابر، بل هو تعبير عن منظومة فساد سياسي متكاملة تستغل كل ثغرة في غياب الرقابة الفعالة. فرغم وجود القوانين التي تُلزم الموظف الحكومي بالحياد، إلا أن غياب الإرادة السياسية لتطبيقها على المتنفذين، يجعل من النصوص مجرد شعارات بلا أثر، ويُبقي الفساد السياسي في مأمن من المحاسبة.
وتتلاشى الحدود بين الحزب والدولة حين يتحول المدير المحلي إلى أداة بيد مرشح، ويغدو النفوذ الإداري وسيلة لشراء الولاء، لا لبناء الثقة. هنا لا يعود للناخب أي أمل في التغيير، بل يجد نفسه داخل حلقة مفرغة يعاد فيها إنتاج السلطة نفسها، بأدوات أكثر انحرافاً.
الحديث عن انتخابات نزيهة يفقد معناه في ظل هذا التداخل الخطير، الذي لا يُعالج إلا برقابة مسبقة حقيقية، وإجراءات رادعة تطال كل من يحاول استغلال المال العام والإدارة العامة لصالحه الانتخابي. فمعركة الشفافية لا تبدأ بعد الصناديق، بل قبلها بوقت طويل، حين يُرسم المشهد الانتخابي من خلف الكواليس، بقرارات ملوثة وامتيازات موزعة على أساس الولاء لا الكفاءة.
وفي ظل استمرار هذا الانحدار، يبقى السؤال الأهم: هل تملك الدولة الشجاعة لإخراج الانتخابات من قبضة الفاسدين، أم أن مصير الديمقراطية سيبقى رهينة تحالفات السلطة والمال والنفوذ؟
![]()
