بغداد – أعادت واحدة من أكبر فضائح تزوير الشهادات الجامعية في العالم—التي فجّرتها شرطة ولاية كيرلا الهندية—فتح جرحٍ عراقي قديم طالما حاولت السلطات التستّر عليه: ملف الطلبة العراقيين في الجامعات الأجنبية، ولا سيما الهندية، وسط غياب كامل لأي بيانات رسمية أو رقابة حكومية تُذكر.
فوفقًا لما نشرته وسائل إعلام هندية، ضبطت الشرطة مئات الشهادات المزوّرة بمختلف التخصصات الحساسة: الطب، التمريض، الهندسة، والبرمجة، إلى جانب العثور على أختام مزيفة لـنحو 28 جامعة هندية. والأخطر أن التقديرات الأولية تشير إلى أن حجم التزوير قد يصل إلى مليون شهادة، بينما ألقت السلطات الهندية القبض على 11 متورطًا أنشؤوا مطابع موزّعة على ولايات عدّة لضمان انتشار هذه الشبكة في معظم أنحاء البلاد.
تكلفة الشهادة الواحدة—التي تدخل العراق لاحقًا بكل سهولة—تتراوح بين 75,000 و150,000 روبية، أي ما بين 3,000 و6,000 ريال فقط، وباستخدام تقنيات طباعة عالية الجودة تجعل كشف التزوير شبه مستحيل بالطرق التقليدية، ما دفع الشرطة الهندية لفتح أوسع تحقيق في تاريخها يشمل احتمال تورط موظفين في جامعات رسمية.
لكن الضربة الحقيقية تأتي من الداخل العراقي: فبينما تتحرك الهند لمكافحة واحدة من أخطر شبكات التزوير، تصرّ وزارة التعليم العالي العراقية على سياسة “الصمت أولًا”، رغم فضيحة سابقة تتعلق بشهادات مشبوهة صادرة من لبنان، ورغم الوثائق التي أثبتت منح شهادات غير مستوفية للشروط دون أن يصدر عن السلطات العراقية أي إجراء واضح أو معلن حتى الآن.
تقديرات غير رسمية تؤكد أن نحو 5,000 طالب عراقي يتوجّهون سنويًا إلى الجامعات الهندية، دون وجود أي إحصاء حكومي دقيق، ودون قاعدة بيانات تحدد الجامعات أو التخصصات. هذا الغياب الفاضح للرقابة يفتح الباب أمام سماسرة ومكاتب تعليمية تعمل في مناطق رمادية، وتتحكم بمستقبل آلاف الطلبة، وتفتح أبوابًا خلفية لتمرير شهادات لا تمتلك أي قيمة أكاديمية حقيقية.
ورغم أن عددًا من الجامعات الهندية ما يزال معترفًا به ويحظى بمستوى أكاديمي جيد، إلا أن وجود شبكات تزوير بهذا الحجم في البلد نفسه، إضافة إلى التجاوزات التي ظهرت في لبنان سابقًا، يفرض—وفق الأكاديميين—إعادة بناء منظومة الاعتراف والمعادلة في العراق من جذورها، عبر اعتماد أنظمة تحقق دولية وربط مباشر مع الجامعات، بدلًا من الاعتماد على أوراق قد تحمل أختامًا مزيفة وتمسّ حياة العراقيين بشكل مباشر، خصوصًا في الطب والهندسة.
اليوم، وبين مليون شهادة مزورة في الهند، وشهادات مشبوهة في لبنان، وآلاف الطلبة العراقيين المفقودين في غياب الإحصاءات، يتضح أن ملف الشهادات الأجنبية في العراق أصبح قنبلة موقوتة، سبّب انفجارها الوحيد هو صمت السلطات وتراخيها المزمن، فيما يتسلّل أصحاب “المؤهلات الورقية” إلى مفاصل الدولة وسوق العمل دون حسيب أو رقيب.
![]()
