بغداد – في ذروة موجة حرّ خانقة تضرب العراق، وتحديداً مناطق الوسط والجنوب التي تجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز الـ50 مئوية، لم يجد الشباب والأطفال سوى مياه الأنهار المهملة متنفسًا للهروب من لهيب الشمس، وسط مشاهد تختلط فيها البراءة بالخطر، والضحك بالصمت المليء بالقلق.
رغم التحذيرات الصحية والبيئية والأمنية، ومشهد النفايات الطافية على سطح نهر دجلة، لا يزال جرف النهر وسط العاصمة بغداد يستقبل كل مساء أعدادًا من الأطفال والشبان الذين يقفزون إلى المياه الملوثة، يطاردون لحظات انتعاش عابرة قد تنتهي بكارثة، وسط غياب تام للحلول الحكومية.
عدسة الكاميرات وثقت، عصر كل يوم، تجمعات أهالي بغداد وهم يشاهدون أبناءهم يسبحون في مياه دجلة، في مشهد بات طقسًا يوميًا رغم المخاطر الصحية والبيئية المترتبة على التلوث المتفاقم للنهر، الذي تحوّل إلى نقطة جذب اضطرارية أمام انقطاع الكهرباء، وانهيار البنى التحتية المخصصة للترفيه أو التبريد.
جنوباً في مدينة الحلة، يتكرر المشهد على نحو أكثر عفوية، حيث أطفال مربي الجاموس يختلطون مع الحيوانات في النهر، يقفزون ويغوصون دون وعيٍ بخطورة المياه التي تفتقر لأبسط معايير السلامة. أصوات الضحك هنا لا تخفي مشهد البؤس، حيث لا وجود لمسابح عامة، ولا لأي اهتمام حكومي يراعي أبسط حقوق الطفولة أو معاناة الصيف.
الحكومة، من جهتها، تكتفي بالصمت أو إصدار بيانات تحذير موسمية، بينما تتضاعف أعداد حوادث الغرق عاماً بعد آخر، وتُسجَّل المأساة في خانة “الحوادث العرضية”، دون أي محاسبة أو مبادرة لتوفير بدائل آمنة أو خدمات تليق بالحد الأدنى من كرامة الإنسان.
في بلد غني مثل العراق، تبدو مشاهد السباحة في الأنهر الملوثة انعكاساً واضحاً لفشل الدولة في حماية أبنائها من قيظ الصيف، ومن العطش، ومن الغرق في ماءٍ لا يصلح للشرب ولا للسباحة.
هكذا تُختزل مأساة موسم الصيف: حرارةٌ تفتك بالأجساد، وماءٌ يبتلع الأطفال، وسلطةٌ غائبة عن الميدان 0 .
![]()
