
بقلم :حسين الشلخ
في العراق لم يعد خبر اعتقال مسؤول أو إحالة موظف كبير إلى القضاء يثير الدهشة كما كان في السابق لأن المواطن عاش سنوات طويلة شاهد خلالها ملفات فساد تُفتح بضجيج إعلامي ثم تُغلق بصمت بينما بقيت شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي تمارس عملها وكأن شيئاً لم يكن لذلك فإن السؤال الذي يتردد اليوم في الشارع العراقي مشروع ومفهوم: هل ما يجري يمثل بداية حقيقية لدولة القانون أم أننا أمام مسرحية سياسية جديدة يُقدَّم فيها بعض الأشخاص بوصفهم “كبش فداء” لحماية المنظومة نفسها؟
أن الأحزاب التي رفعت لعقود شعارات النزاهة والإصلاح واليد البيضاء تجد نفسها اليوم أمام اختبار بالغ الصعوبة فالشعارات لم تعد تقنع الشارع والخطابات لم تعد تكفي لإخفاء حجم الغضب الشعبي ، العراقيون يريدون أفعالاً لا أقوالاً وأحكاماً قضائية عادلة لا مؤتمرات صحفية واستعادة للأموال المنهوبة لا تبادل الاتهامات بين الخصوم.
قد يكون من المبكر الجزم بدوافع الحملة الحالية فهناك من يرى أنها جاءت نتيجة ضغوط داخلية وشعبية تراكمت بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والخدمية وهناك من يعتقد أن البيئة الإقليمية والدولية باتت أقل تسامحاً مع ملفات الفساد وأن مكافحة غسل الأموال والفساد المالي أصبحت جزءاً من منظومة الضغوط الدولية على الحكومات والحلفاء لكن مهما كانت الدوافع فإن المعيار الحقيقي يبقى واحداً: هل ستصل التحقيقات إلى جميع المتورطين دون استثناء أم ستتوقف عند حدود معينة؟
لعل القضاء العراقي يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لاستعادة ثقة المواطن فإذا استمرت الإجراءات وفق القانون وبعيداً عن الانتقائية أو الضغوط السياسية فإن ذلك سيشكل نقطة تحول مهمة في علاقة الدولة بالمجتمع أما إذا اقتصرت المحاسبة على شخصيات محددة بينما بقي أصحاب النفوذ بمنأى عن المساءلة فإن الشكوك ستزداد وسيتعزز الاعتقاد بأن ما يجري مجرد إعادة ترتيب للمشهد السياسي.
إن مكافحة الفساد ليست حملة إعلامية مؤقتة بل مشروع دولة متكامل يبدأ من استقلال القضاء ويمر بتفعيل الهيئات الرقابية وينتهي باسترداد الأموال العامة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته بغض النظر عن انتمائه الحزبي أو موقعه السياسي فلا حزب يمنح الحصانة ولا المنصب يلغي المسؤولية ولا النفوذ يجب أن يكون بديلاً عن العدالة.
العراق يمتلك من الثروات والإمكانات ما يكفي ليكون من أكثر دول المنطقة استقراراً وازدهاراً لكن الفساد ظل لسنوات أحد أكبر العوائق أمام التنمية إذ استنزف المال العام وأضعف المؤسسات وأفقد المواطن ثقته بالدولة ولهذا فإن أي معركة حقيقية ضد الفساد ستكون معركة من أجل مستقبل العراق لا مجرد صراع بين خصوم سياسيين.
الشارع العراقي لا يبحث عن الانتقام بل عن العدالة ولا يريد رؤية أسماء صغيرة تتصدر العناوين بينما تبقى الملفات الكبرى معلقة العدالة الحقيقية تبدأ عندما يخضع الجميع للقانون بالمعايير نفسها وعندما تتحول هيبة الدولة إلى واقع يلمسه المواطن في كل مؤسسة
يبقى الأمل قائماً بأن تكون هذه المرحلة بداية مسار جديد تُترجم فيه النصوص القانونية إلى أحكام عادلة ويصبح القانون فوق الجميع. فالتاريخ لا يتذكر كثرة اللجان وأنما يتذكر الدول التي انتصرت للعدالة وحاسبت الفاسدين دون خوف أو تمييز وأثبتت أن بناء الأوطان يبدأ من احترام القانون وصيانة المال العام.
![]()
