بغداد – وسط مشهد سياسي يختنق بتراكمات الفشل، لا يبدو تأخر الكتل في تسمية رئيس الوزراء خطوة “طبيعية” أو نتيجة تريث سياسي، بل انعكاساً صارخاً لحسابات فساد تُدار في الغرف المظلمة بعيداً عن أعين الناخبين.
فالكتل التي تتشدّق بالديمقراطية تُعيد ترتيب مصالحها بهدوء مريب، بينما تُترك الدولة معلّقة بين نتائج أولية وجمهور متوجس.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية حسين الأسعد أكد أن تأخر الكتل في إطلاق حوارات تشكيل الحكومة يكشف بحث كل طرف عن “ضمانات” و”صفقات” قبل دخول أي مفاوضات رسمية، مشيراً إلى أن الهدوء الظاهر ليس إلا غطاءً لحراك خفي يجري خارج الأطر الدستورية.
ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يعكس مساومات سياسية غير معلنة، فالقوى التي حصلت على مقاعد مؤثرة تخشى التحالف المبكر قبل معرفة الاتجاهات الخارجية، بينما الكتل الأضعف تراقب حصتها المحتملة من المناصب قبل منح تأييدها لأي طرف. وتشير مصادر مطلعة إلى أن بعض القوى تتعمّد تأجيل التفاوض بانتظار معرفة شكل “اصطفاف المحاور” الشيعية والسنية والكردية، وكأن القرار الوطني مرتهن لتوازنات خارجية لا لإرادة الناخب العراقي.
وتؤكد تجارب السنوات الماضية أن التحالفات المعلنة سرعان ما تنهار، لأنها مبنية على مصالح ضيقة وصفقات وقتية، وهو ما يفسر الحذر غير العادي لدى الكتل الحالية، التي تخشى الوقوع في فخ الاندفاع المبكر كما حدث في دورات سابقة.
الأسعد شدد على أن الكتل تحاول هذه المرة تفادي إعادة سيناريوهات الانهيار السياسي، خاصة مع غياب كتلة قادرة على فرض إرادتها، وتقارب نتائج القوى المتنافسة، ما يجعل المشهد أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
أما العامل الخارجي فحاضر بقوة؛ إذ تفيد تقديرات بأن بعض الأطراف تنتظر إشارات من واشنطن وطهران والعواصم الخليجية قبل اتخاذ خطوة واحدة في مسار اختيار رئيس الوزراء، مما يجعل القرار العراقي رهينة للضغوط الإقليمية والدولية بدل أن يكون نتاجاً لإرادة وطنية مستقلة.
ورغم هذا الجمود المريب، يرى الأسعد أن تأخر الحوارات لا يعني وجود أزمة ظاهرة، بل هو ـــ كما يقول ـــ محاولة لصياغة اتفاقات تضمن بقاء النفوذ وتوزيع الغنائم قبل بدء التوقيتات الدستورية. ويتوقع أن تُعقد خلال الأيام المقبلة لقاءات تمهيدية تُرسم فيها ملامح الحكومة المقبلة بعيداً عن الشفافية.
وبحسب مراقبين، فإن صمت الكتل اليوم أخطر من ضجيج مفاوضاتها غداً. فالعراق يقف أمام مرحلة يعاد فيها تفصيل السلطة بما يخدم مراكز النفوذ، في وقت يعرف فيه الجميع أن الخطأ الأول في هذه اللعبة السياسية الفاسدة قد يحدد شكل السنوات الأربع المقبلة… وربما ما هو أبعد.
![]()
