بغداد – تشهد المصارف الحكومية في العراق حالة جمود غير مسبوقة، بعدما تراجعت عن منح القروض وتخلت عن خططها في تطوير النظام الائتماني، لتتحول إلى “حصالات بلا ثقة”، يحتكرها أصحاب النفوذ فيما يُحرم المواطن من حقه في التمويل.
مصدر مطلع كشف أن مصرف الرافدين وعدداً من المصارف الحكومية الأخرى أوقفت القروض والسلف للمواطنين، وعادت إلى النظام الورقي بعد أن فشلت في تطبيق الأتمتة، في خطوة تعيد القطاع المالي سنوات إلى الوراء. وأضاف المصدر أن الطلبات المصرفية باتت تخضع للمحسوبية والواسطة، وأن القروض تُمنح لمن يمتلك النفوذ أو العلاقات داخل المؤسسة، لا لمن يستحقها فعلاً.
وأشار إلى أن خطط الأتمتة التي كان يفترض أن تكافح الفساد وتحدّ من التلاعب جُمّدت بشكل مفاجئ، رغم إنفاق ملايين الدولارات على مشاريع تطوير الأنظمة الإلكترونية. النتيجة، بحسب المصدر، أن المصارف باتت عاجزة عن أداء دورها، وتحوّلت إلى مؤسسات بيروقراطية تُدار بعقلية سياسية لا مالية.
الخبير المالي محمود داغر أكد أن “المصارف العراقية ستبقى متخلفة عن العالم ما لم تُنشأ منظومة إلكترونية شفافة تربط قواعد البيانات وتمنع التلاعب بالمعاملات”. وأضاف أن غياب هذه المنظومة “يتيح المجال للفساد ولتوجيه الائتمان لخدمة مصالح ضيقة”.
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي أن “الأولوية في منح القروض تذهب لمشاريع السكن والطاقة الشمسية ضمن مبادرات البنك المركزي، لكنها لا تمثل سوى غطاء لتجميل صورة النظام المالي”، مشيراً إلى أن “التمويل الفعلي لمشاريع الشباب أو المشروعات الإنتاجية الصغيرة متوقف رغم توفر السيولة”.
ويأتي هذا التراجع في وقت صنّفت فيه وكالة ستاندرد آند بورز النظام المصرفي العراقي ضمن فئة “-B عالية المخاطر”، مؤكدة أن البيئة الاقتصادية تعاني من فساد مؤسسي وتدخلات سياسية عميقة جعلت النظام المالي عاجزاً عن دعم التنمية أو كسب ثقة المستثمرين.
وبحسب مختصين، فإن ما يجري ليس مجرد تراجع مصرفي عادي، بل انعكاس مباشر لفساد السلطات التنفيذية التي حوّلت المصارف إلى أدوات تمويل خاصة للفاسدين والمتنفذين، فيما تُغلق الأبواب أمام المواطن البسيط الذي يبحث عن قرض لبناء منزل أو إطلاق مشروع.
في ظل هذا الواقع، يتآكل ما تبقى من الثقة بالنظام المصرفي، ويغيب الائتمان كما تغيب العدالة، لتتحول المصارف العراقية إلى رموز جديدة في مشهد الفساد العام الذي يلتهم الدولة من الداخل .
![]()
