بغداد – تتحرك القوى السياسية في العراق بهدوءٍ محسوب بعد الانتخابات، وكأنها تدير مشهداً مُعدّاً سلفاً لتمرير صفقة السلطة المقبلة. وفي قلب هذا المشهد، يطفو ملف رئاسة مجلس النواب بوصفه البوابة الأولى لترتيب نفوذ المرحلة الجديدة، لا بوصفه استحقاقاً دستورياً بقدر ما هو مفتاح لإدامة هيمنة القوى المتنفذة.
ورغم الخطاب المعلن عن “التهدئة” و”التوافق”، تكشف ممارسات الأطراف السياسية عن لعبة نفوذ تُدار خلف الأبواب المغلقة. الإطار التنسيقي، مثلاً، يعلن أنه “لا يناقش الأسماء” وأن المنصب “يخص المكوّن السني”، لكنه في الواقع يكتفي بترك الساحة تغلي بانتظار أن تقدّم القوى السنية اسماً مناسباً ينسجم مع مصالحه، في مشهد يعكس إدارة مبطّنة للملف دون تحمّل مسؤولية مباشرة.
النائب عارف الحمامي ، قال إن “المرشح يجب أن تقدمه القوى السنية حصراً”، وهو تصريح يبدو بريئاً من الخارج، لكنه في العمق يعكس سياسة دفع المسؤولية إلى الآخرين بينما تستمر القوى المتنفذة في ترتيب ملفاتها، وعلى رأسها ملف رئيس الوزراء الذي يناقَش سراً داخل لجان الإطار من خلال غربلة عدة أسماء.
هذه الازدواجية في إدارة الملفات تُظهر فساداً سياسياً مركّباً: إعلان شفافية في العلن، ومساومات وتفاهمات مصلحية في الخفاء. فالإطار يريد الوصول إلى جلسة انتخاب الحكومة سريعاً من دون أي تعقيد، ويعتبر رئاسة البرلمان “إجراءً تنظيمياً”، بينما الحقيقة أنها ورقة ضغط سياسية لتحديد شكل التوازن داخل الدولة.
على الجانب السني، يستمر المجلس السياسي الوطني في نقاشات متوترة حول تقديم اسم “مقبول”، في محاولة للهروب من الإرث القديم الذي كان فيه القرار مرهوناً بجهة واحدة. ومع ذلك، ما يزال مشهد المفاضلة محكوماً باعتبارات النفوذ والتحالفات، لا باعتبارات المصلحة العامة.
المفارقة أن الإطار “يراقب بلا تدخل”، لكنه يربط مستقبل علاقته بالقوى السنية بنتيجة هذا الملف، سواء في توزيع الوزارات أو تمرير التشريعات. وهو ما يجعل اختيار رئيس البرلمان اختباراً فعلياً لمدى قدرة القوى السنية على الصمود أمام ضغوط المساومات.
بالمحصلة، الصورة الراهنة تكشف عن عملية سياسية تُدار بروح صفقات، لا بروح دولة. القوى المتنفذة تنتظر “الاسم المناسب”، والقوى السنية تحاول تجنب الانقسام، لكن المواطن يرى بوضوح أن ما يجري ليس ترتيباً دستورياً، بل امتداداً لسياسات المحاصصة التي كبّلت الدولة وأفقدتها القدرة على الإصلاح.
![]()
